اختتمت المفاوضات المباشرة بين سلطة محمود عباس والطرف الصهيوني جولتها الأولى يوم الخميس الماضي في مبنى وزارة الخارجية الأمريكية، وقد سبقت وتخللت تلك الجولة جملةً من المواقف الصادرة من جميع الأطرف، والتي تصب في مجملها من تقليل احتمالية النجاح، مع فتح واسع لأبواب الفشل.

 

وتأتي هذه الانطلاقة الجديدة بعد هرولة فلسطينية، وتفويض عربي وبلا سقف زمني، ومن دون تحديد أي مرجعية للتفاوض، وبعد فشل جميع الجهود الدولية والأمريكية بدفع الطرف الصهيوني إلى تمديد ما يسمى "قرار تجميد الاستيطان"، وهي العوامل التي اعتبرها كثير من المراقبين أنها من الأمور الحتمية لفشل المفاوضات قبل أن تبدأ.

 

حركة حماس من جانبها، وعلى لسان عضو مكتبها السياسي عزت الرشق؛ وصف الحفلة الافتتاحية للمفاوضات بأنها "ليست أكثر من كرنفال إعلامي، أرادت من خلاله الإدارة الأمريكية تسويق سياساتها، وجني المكاسب المختلفة، إضافة إلى خلق انطباع عام لدى الرأي العام بأن الأمور تسير على ما يُرام بالنسبة إلى ما يسمى عملية التسوية في الشرق الأوسط، في ظلِّ المتاعب التي تعانيها إدارة أوباما؛ نتيجة فشل السياسات الخارجية الأمريكية".

 

أما السلطة الفلسطينية، التي يتزعمها محمود عباس المنتهية ولايته، فقد استبق لقاء القمة في واشنطن بإصراره على التفاوض؛ حتى ولو كانت نسبة النجاح لا تتجاوز الـ1%- على حدِّ تعبيره- وهو ما يعكس إصراره على الولوج في المسلك الخاطئ، بالرغم من ضبابية الموقف، وانعدام فرص التوصل إلى تسوية حقيقية مع الطرف الصهيوني.

 

كما أدلى عباس بتصريحات أخرى تعكس العبثية، وعدم احترام عقول مواطنيه حين ادعى أن الفلسطينيين ليس لديهم ما يخسرونه إذا ما فشلت المفاوضات؛ وهو كلام فارغ المضمون، يكذِّبه حقيقة ابتلاع الأرض، وتهويد المقدسات التي تجري بغطاء المفاوضات وتحت عباءة المباحثات.

 

الإصرار على الفشل

 الصورة غير متاحة

 محمود عباس المنتهية ولايته

وفي هذا السياق، اعتبر المحلل السياسي د. عبد الستار قاسم تصريحات عباس حول إصراره على التفاوض حتى وإن انعدمت فرص النجاح، بأنه "إصرار على الفشل وتجاهل لأبسط قواعد العمل السياسي الناجح".

 

ويضيف قاسم- في مقالة له-: "قادة الدول يحسبون الاحتمالات فيما يتعلق بنجاح سياساتهم ويفكرون مرارًا وتكرارًا، ويحاولون دائمًا اتخاذ الخطوات اللازمة لرفع نسبة الاحتمال، ويترددون كثيرًا في المضي بسياسات معينة إذا وجدوا أن احتمالات النجاح متدنية.. الذين لا تردعهم الاحتمالات الهابطة ولا يتميزون بالذكاء، أو ربما لا يكون النجاح ضمن حساباتهم، أو أن النجاح الذي ينوون تحقيقه ليس ذلك المُعلن".

 

ويشير د. قاسم إلى أن المفاوضات بالنسبة لعباس تحولت إلى أيديولوجيا ونشاط عبثي لا هدف له، وليست آلية من أجل الوصول إلى نهاية حلٍّ، وقد عبّر عن هذا كبير مفاوضيه صائب عريقات في كتابه المعنون "الحياة مفاوضات".

 

بين استفتاءين

كما استبق كلُّ من محمود عباس ونتنياهو محادثاتهما في واشنطن بإلقاء عبئ وتبعات التوقيع على أي اتفاق سلام نهائي، يتم التوصل إليه على كاهل الجمهور الفلسطيني والصهيوني، حين ادعيا أن أي صيغة اتفاق سيتم طرحها في استفتاء شعبي لإعطاء الموافقة أو الرفض عليها.

 

وفي هذا السياق، وصف المحلل السياسي د. علام جرار هذه الخطوة في حال تنفيذها بأنها محاولة للهروب إلى الإمام من كلا الطرفين.

 

وقال جرار لـ(إخوان أون لاين): "بالرغم من تشابه الخطوة من حيث الشكل، إلا أنه توجد فوارق حقيقية بين الاستفتاء الفلسطيني والاستفتاء الصهيوني، فالأول يستحيل تطبيقه على الأرض لعوامل عديدة، أهمها وجود الانقسام بين الضفة وغزة، واستحال تحقيقه في القطاع الذي تسيطر عليه حماس".

 

ويضيف:" كما توجد نقطة أخرى تحول دون إجراء هذا الاستفتاء، وهي توزع الشعب الفلسطيني في العديد من البلدان العربية والأجنبية".

 

وتساءل جرار: "هل سيقتصر هذا الاستفتاء على مواطني الضفة، وبالتالي ستكون خطوة منقوصة وغير مُلْزِمة للشعب الفلسطيني، هذا إذا تجاهلنا وضع الضفة الغربية من حيث الحكم الشمولي، وغياب الحريات، وقمع السلطة لحماس".

 

أما المحلل السياسي هاني المصري فقد اعتبر دعوة نتنياهو لإجراء استفتاء صهيوني داخلي بأنها رفض ضمني لأي اتفاق لا يشمل المُسَلَّمَات الصهيونية المعروفة، وهي الأمن ويهودية الدولة والاستيطان.

 

وشدد المصري على ميول الشعب الصهيوني إلى التطرف والتشدد، وهو ما عكسته انتخابات الكنيست الأخيرة التي فاز بها المتطرف ليبرمان وحزبه (إسرائيل بيتنا) بـ(21) مقعدًا، وحل في المرتبة الثالثة.

 

وقال المصري:" نتنياهو يعرف جيدًا المزاج الصهيوني العام، والذي يتسم بالعنجهية والغرور وعدم القبول بوجود شعب فلسطيني، وليس أدل على ذلك التصريحات الأخيرة التي أدلى بها الحاخام الصهيوني المتطرف عفادا يوسيف، والذي تمنى أن يُباد الشعب الفلسطيني بكامله".

 

المكتوب من عنوانه

 الصورة غير متاحة

بنيامين نتنياهو

عكس الخطاب الذي أدلى به رئيس الوزراء الصهيوني نتنياهو في لقاء القمة في واشنطن أمام الراعي الأمريكي والطرف الفلسطيني، الأسس التي سيرتكز عليها الصهاينة في مفاوضاتهم مع الفلسطينيين.

 

وقد لخّص نتنياهو في خطابه مطلبين أساسين يجب على الفلسطينيين الالتزام بها حتى يُكتب النجاح لهذه المفاوضات، وهي الاعتراف الكامل بالكيان الصهيوني كدولة قومية لليهود، وتحقيق الأمن للصهاينة، بالإضافة إلى امتناع نتنياهو عن إثارة مسألة تجميد "الاستيطان".

 

وهو ما صرَّح به وزير خارجية الدولة العبرية أفيجدور ليبرمان حين طالب بأن تنحصر المفاوضات في الجوانب الأمنية والاقتصادية فقط، واعتبر ليبرمان الصراع الفلسطيني الصهيوني معقدًّا جدًّا، ويتطلب نهجًا أكثر واقعية أو حلاًّ مؤقتًا طويل الأمد".

 

وأكد الوزير المتطرف أن المواضيع التي "تثير العواطف، وتثير الجدل" مثل القدس، واللاجئين، والاستيطان، والحدود لن تجد لها حلولاً.

 

تقارير الفشل

وكان مركز دراسات الأمن القومي الصهيوني قد أكد في تقرير له على أن الفوارق بين مواقف الطرف الصهيوني والفلسطيني لا تزال كبيرة، وأن مقدار التزام الزعيمين الصهيوني والفلسطيني بتحقيق السلام تبقى في وضعية المجهول.

 

وشدَّد رئيس المركز الصهيوني عوديد عيران على أنه يتعذر رؤية نجاح الصهاينة والفلسطينيين في ردم الفجوات بينهما في قضايا الحل النهائي كالقدس والحدود واللاجئين, قائلاً: "إذا لم يفلح الطرفان في التوصل إلى تسوية متفق عليها ويعلنان فيها أنهما لاحقاً يسعيان لحلِّ الدولتين؛ فمن المتوقع أن يتدهور الوضع".

 

هي عصاي.. أتوكأ عليها

أما عربيًّا، فقد تحّولت قمم السلام المختلفة إلى بوابة للحصول على الرضا الأمريكي والاستمرار في تقديم فتاته على حساب المواقف الوطنية، ولم تحمل تلك الجولات التفاوضية للعرب أي جديد سوى محاولات مصرية للتلميع في المحافل الدولية.

 

وقالت (الإذاعة الصهيونية) إن جمال مبارك نجل الرئيس المصري أجرى محادثات جانبية مع كلٍّ من الرئيس الأمريكي باراك أوباما وبنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الصهيوني على هامش قمة واشنطن؛ ما يفتح أسئلة جديدة حول موعد تنفيذ ملف التوريث في مصر.

 

في ظلِّ الهوة القائمة بين الطرفين وفي ظلِّ التعنت الصهيوني ورزمة مطالبه العالية، وضعف المفاوض الفلسطيني وسقفه المنخفض؛ باتت الأمور تنحصر في ثلاثة خيارات وهي:

إما أن يتم التوصل إلى صيغة معينة والتوقيع على اتفاقية ما تحفظ ماء وجه الراعي الأمريكي؛ وهو ما سيكون بالضرورة على حساب الشعب الفلسطيني وحقوقه.

 

وإما أن تستمر المفاوضات بعبثيتها الحالية وإلى ما لا نهاية؛ وهو ما يعني بقاء الغطاء الأمثل للصهاينة، والاستمرار في مساره التهويدي والاستيطاني.

 

والثالث قد يكون الأرجح مع حتمية فشل هذه المفاوضات، فهو أن يتسبب انهيارها في انتفاضة جديدة للشعب الفلسطيني وفصائله المقاومة، على غرار ما حدث عقب سقوط مباحثات "كامب ديفيد" عام 2000م، فضلاً عن أن صورته المشوهة ستختزل من رصيد فريق المفاوضات وشعاراته؛ لتضع قسطًا كبيرًا في رصيد المقاومة المسلحة.