أ. د. السيد عبد النور

يعد موضوع شح المياه من التحديات الكبيرة التي تواجه العالم في الوقت الحاضر، ومصر بوجه خاص؛ بسبب غياب النموذج القدوة، وثبات الموارد المائية وزيادة الطلب مع الزمن، فقد انخفض نصيب الفرد السنوي في مصر من 2743م3 عام 1950 إلى 743م3 في عام 2009م، أي أن نصيب الفرد قد انخفض خلال هذه الفترة بما يعادل 73% بمعدل نقص 1. 24% سنويًّا، وتعتمد مصر بشكل كامل على المياه السطحية وتشمل نهر النيل بمتوسط تصرف 55.

 

5 مليار متر مكعب سنويًّا، والمياه الجوفية المتجددة بمتوسط 4 مليارات متر مكعب سنويًّا. ويأتي إجمالي الطلب على المياه ليبلغ 72 مليار متر مكعب سنويًّا، توزع على القطاعات بمعدلات 59، 8. 5، 4. 5 مليارات متر مكعب سنويًّا للقطاع الزراعي والمنزلي والصناعي على التوالي، وبالتالي تبلغ نسبة استخدام الموارد المائية 121%، ويتم سد الفجوة بين المتاح والطلب بإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي والصرف الصحي بالإضافة إلى مياه التخلية نتيجة تخلية مياه البحر من الأملاح.

 

وهناك عدة عوامل رئيسية ساعدت في نشوء أزمة المياه الحالية، وكان لها تأثيرها الكبير على الموارد المائية في مصر، بالإضافة إلى استشراف العوامل المستقبلية.

 

العامل الأول: انخفاض كفاءة استخدام المياه في كافة القطاعات، وقد قدرت نسبة المفقود من المياه بالقطاع المنزلي بحدود 40%، وفي القطاع الزراعي بحدود 60%.

 

العامل الثاني: شبكة الري الداخلية ذات مناسيب قديمة لا تسمح بتوصيل المياه إلى نهايات الترع.

 

العامل الثالث: عدم انتظام مناوبات الري؛ ما يعرِّض المحاصيل للخطر ويؤثر على الفلاحين والاقتصاد المصري.

 

العامل الرابع: إهدار كمية كبيرة من الإنتاج لغياب السياسة التسويقية الواضحة ومن ثم تقليص الأثر التنموي لما تم إنفاقه من استثمارات في قطاع الإنتاج، وضياع كمية ضخمة من المياه دون استفادة.

 

العامل الخامس: الفقد في المحصول فيما بين الجمع والاستهلاك نتيجة سوء عمليات النقل والتخزين.

 

العامل السادس: الفقد في الغذاء لسوء صناعته وعدم صلاحيته للاستخدام الآدمي على سبيل المثال إنتاج رغيف الخبز 120 جرامًا يحتاج 160 لتر ماء ثم يلقي بالخبز في القمامة.

 

العامل السابع: السماح بالصرف في مجرى النيل؛ ما يؤدي إلى زيادة تلوث المياه، والإنتاج الملوث لا يجد سوقًا خارجيةً وبالتالي يصبح الإهدار مضاعفًا.

 

العامل الثامن: التغيير المناخي والاحتباس الحراري الذي سيؤدي إلى انخفاض في معدلات هطول الأمطار وبالتالي انخفاض ورادات نهر النيل.

 

العامل التاسع: تصرفات دول المنبع على نهر النيل.

 

العامل العاشر: احتمالات انفصال شمال وجنوب السودان وتكون دولة جديدة لها توجهات مختلفة وتطلعات في استخدام المياه.

 

إن تبذير الماء هو نتاج لنهج اقتصادي وغذائي ما فتئ يترسّخ ويتعمم، والأرقام التالية قد تبدو مخيفة، ولكنها حقيقية؛ لأنها تأخذ في الاعتبار متطلبات الإنتاج الإجمالية، وفيما يلي بعض المعطيات في إنتاج المستلزمات الحياتية، التي تكشف عن المصادر الحقيقية لأزمة المياه: 

* لإنتاج 1 كجم من القمح لا بد من توفير 1500 لتر من الماء.

* لإنتاج 1 كجم من الأرز لا بد من توفير4500 لتر من الماء.

* لإنتاج 1 كجم من الجبن لا بد من توفير 1100 لتر من الماء.

* للحصول على لتر من الحليب لا بدّ من توفير 400 لتر من الماء.

* للحصول على 1 كجم من البطاطا لا بد من توفير 1000 لتر من الماء.

* إنتاج 1 كيلوجرام من الموز يحتاج إلى حوالي 900 لتر من الماء.

* كأس من عصير التفاح يكلّف 190 لترًا من الماء.

* صندوق صغير شيبسي 200 جرام يكلّف 185 لترًا من الماء.

* كأس عصير برتقال 1/ 5 لتر يكلّف 170 لترًا من الماء.

* كأس من القهوة يكلّف 140 لترًا من الماء.

* بيضة 40 جرامًا تكلّف 135 لترًا من الماء.

* تفاحة 100 جرام تكلّف 70 لترًا من الماء.

* برتقالة 100 جرام تكلّف 50 لترًا من الماء.

* طماطم 70 جرامًا تكلّف 13 لترًا من الماء.

* قطعة خبز 30 جرامًا تكلّف 40 لترًا من الماء.

* كأس شاي ربع لتر يكلّف 35 لترًا من الماء.

* لإنتاج 1 كجم من لحم البقر لا بد من توفير 20 ألف لتر من الماء

 

ونأمل في التخطيط الإستراتيجي لتقليل آثار هذه الأزمة وهذه بعض التوصيات:

1- إعادة النظر في السياسات المائية والزراعية والتنسيق بينها، مع الأخذ في الاعتبار الاحتياجات الفعلية لري الفدان والتركيب المحصولي الأمثل للتطبيق.

2- ضرورة الأخذ بمبدأ المبادرة وليس رد الفعل عن طريق التخطيط ودراسة كثير من السيناريوهات المستقبلية المتوقعة في العمل مع مستقبل الوضع المائي في الدول العربية وتنفيذ مشروع بحثي عن الأوضاع الجيولوجية والهيدروجيولوجية في حوض نهر النيل وتطورها.

 

3- تعظيم القيمة المضافة اقتصاديًّا لكل نقطة ماء خاصة في الإنتاج الزراعي والتفكير جديًّا بتطوير سلالات زراعية مقاومة للجفاف والملوحة وتبديل المحاصيل ذات الاستهلاك المائي العالي بأخرى أقل استهلاكًا للمياه.

 

4- تكامل التكنولوجيا والمعرفة الحديثة والمعلومات واستعمالها في إدارة مياه الري مثل استعمال نظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بعد في تقدير الاستهلاك المائي والاحتياجات المائية.

 

5- ضرورة تفعيل أنظمة جمع المخلفات الصلبة بالمناطق الريفية والملاصقة للمجاري المائية والتخلص الآمن منها للحفاظ على الموارد المائية من التلوث.

 

6- ضرورة تعميم ونشر وحدات جمع الصرف الصحي من المراكب والعائمات بالمراسي المقامة على الأنهار والقنوات المائية وعدم السماح لهذه المراكب بالسير بدون مراجعة أنظمة الصرف الصحي لهذه العائمات والتأكد من تجهيز المراسي لهذه الخدمات.

 

على مستوى الاستهلاك المنزلي:

1- ربط الترشيد بعظم الأجر من الله.

2- العمل على الاهتمام بسرعة تركيب عدادات مياه لجميع المستخدمين، تستطيع تقدير أقل الكميات المستهلكة بدلاً من التقدير الجزافي لتحقيق عدالة التوزيع بين المستخدمين ولتكون حافزًا لدى المستخدمين لترشيد استهلاك المياه.

 

3- منع زراعة الحدائق العامة والخاصة بالنجيلة وما شاكلها؛ ما يحتاج إلى كميات كبيرة من المياه، والاقتصار في تزيين وتجميل الحدائق العامة والخاصة على الأشجار المحلية الصحراوية كالصبار والنخيل والنيم وما شابهها.

 

4- استخدام أجهزة مقتصدة في استهلاك المياه مثل غرف الطرد السيفونات والدشات وصنابير المياه وغسالات الملابس والصحون وما شاكلها، على أن يتم تصنيع أو استيراد هذه النوعية، مع حظر تصنيع أو استيراد النوعيات كثيرة الاستهلاك.

 

5- أهمية دور الأسرة في ضبط إيقاع الاستهلاك داخل المنزل، وإكساب الأبناء دورًا إيجابيًّا تجاه قضايا ترشيد المياه وحماية مصادرها.

 

6- ربط صرف حوض الوجه مباشرة لتغذية صندوق الطرد، مع إتاحة هذه المنتجات للجمهور بسعر يشجع على استخدامها مع ضرورة مراقبة جهات الصناعة.

 

7- تجديد شبكات المياه القديمة ومداومة صيانتها بغرض تقليل الفاقد من الشبكات.

 

8- ضرورة التخطيط لفصل خطوط تغذية مياه المنازل إلى قسمين مياه منخفضة الجودة للاستخدام، ومياه عالية الجودة للطهي والشرب.

 

9- استخدام كل وسائل الإعلام للدعوة إلى الترشيد والتعريف بقيمة المياه وضرورة المحافظة عليها باعتبار نقطة الماء لا تقدر بثمن.

 

إن المطلوب في كل الأحوال هو العمل على تقليل كمية المياه المستخدمة إلى الحدود الدنيا، والاتجاه نحو الغذاء النباتي، وعدم الإسراف أو التخلص من الأطعمة في سلة المهملات، ونشر هذه الثقافة وكتابتها على المنتجات.

-----------

* مقيم في تنزانيا