شهدت أكبر بلد من حيث المساحة وعدد السكان والاقتصاد في أمريكا اللاتينية وأحد أكبر الديمقراطيات في العالم إجراء انتخاباتها الرئاسية والتشريعية والمحلية.. إنها البرازيل، تلك الأرض الفسيحة الخصبة المكتظة بالثروات الطبيعية، والتي أضحى صعودها السياسي والاقتصادي وطموحاتها كقوة صاعدة حدثًَا لا يمكن إغفاله أو تجاهله أو المرور عليه دون تأمل التجربة والاستفادة منها.
في هذه الأثناء تبدأ جولة جديدة من الانتخابات الرئاسية؛ حيث لم تحسم النتيجة في جولتها الأولى بين كلٍّ من ديلما روسيف التي رشحها الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا لخلافته، بعد أن انتهت فرصته في الترشح لفترة رئاسية ثالثة طبقًا للدستور البرازيلي، والتي شغلت منصب كبيرة موظفي الرئاسة خلال الأعوام الخمسة الماضية، وجوزيه سيرا حاكم مدينة ساو باولو وأحد أكثر السياسيين خبرةً في البلاد، ومرشح الحزب الاشتراكي الديمقراطي، والذي سعى إلى إجراء جولة الإعادة أمام روسيف الثائرة الشيوعية ضد النظام العسكري السابق في البرازيل في ستينيات القرن الماضي؛ أملاً في أن يستطيع التغلُّب على منافسته القوية من خلال هذه الجولة، من خلال اللعب على أوتار الأصوات المهتزة، والتي راحت لصالح بقية المرشحين، وأبرزهم مارينا سيلفا مرشحة حزب الخضر.
يذكر أن سيرا سبق له وخسر جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية عام 2002م أمام الرئيس لولا دا سيلفا، ويرى البعض أن خبرة سيرا السياسية- وزير الصحة السابق في حكومة الرئيس فرناندو هنريك كاردوسو- قد تعزِّز من احتمالات فوزه في جولة الإعادة التي ستُعلن نتيجتها نهاية هذا الشهر، وسيتسلَّم الرئيس المنتخب مهامه في الأول من يناير 2011م.
تداول السلطة
أعلنت المفوضية العليا للانتخابات البرازيلية أن روسيف حصلت على 46.74% من أصوات الناخبين البرازيليين، وهكذا فإن روسيف ستدخل جولة الإعادة بسبب فقدانها لـ4% من أصوات الناخبين، التي كانت سترفع نسبة الأصوات إلى أكثر من 50%؛ لتجنِّبها جولة الإعادة، بينما حصل جوزيه سيرا على 32.68% من أصوات المقترعين التي تصل إلى نحو 136 مليون صوت، ورغم أن ديلما ما زالت أمامها جولة إعادة لتثبت أنها جديرة بثقة لولا دا سيلفا فإنها من المتوقع أن تفوز بمقعد الرئاسة؛ حيث إن الفارق بينها وبين أقوى المرشحين أمامها وهو جوزيه سيرا الذي يصل إلى حوالي 15% من الأصوات؛ ليس ضئيلاً بالقدر الذي يسمح تخطيه خلال جولة الإعادة، مهما كانت خبرته في عالم السياسة.
ويكفي دعم الرئيس لولا دا سيلفا مرشحته روسيف، فقد حظي الرئيس البرازيلي بشعبية كبيرة في بلاده بلغت80%؛ حيث قاد البرازيل حتى أصبحت قوةً اقتصاديةً عالميةً مهمَّةً خلال فترتي حكمه، فقد أصبحت البرازيل ثامن أكبر دولة اقتصادية في العالم، وبلغت نسبة النمو فيها 7% سنويًّا، بالإضافة إلى امتلاكها الطاقة النووية، وجلوسها على مقعد غير دائم في مجلس الأمن الدولي، ودخولها كوسيط في العديد من القضايا الدولية؛ أبرزها الملف النووي الإيراني، كما أنها ستحظى باهتمام كبير في السنوات المقبلة؛ إذ إنها ستستضيف بطولة كأس العالم لكرة القدم عام 2014م، والألعاب الأولمبية عام 2016م.
وكان الرئيس لولا دا سيلفا قد احتل في أبريل الماضي قائمة الزعماء المائة الأكثر تأثيرًا ونفوذًا في القائمة التي تصدرها مجلة (تايم) الأمريكية سنويًّا، متقدمًا على الرئيس الأمريكي باراك أوباما والعديد من الزعماء السياسيين، وذلك نظرًا لجهوده في مكافحة الفقر وتطوير التعليم، وإتاحته لكل أبناء الطبقة العاملة في البرازيل؛ إذ إنه أحدث تحولاً في التركيبة الاجتماعية في البلاد لصالح الطبقة المتوسطة، التي اتسعت رقعتها لتصل إلى ما يقرب من الـ50% من جملة المواطنين البرازيليين، هذا بالإضافة إلى نجاحه في تجاوز الأزمة الاقتصادية والعالمية بسهولة، بل ومن دون أن تتأثر بها بلاده على الإطلاق، إضافةً إلى ما شهده مجال الرعاية الصحية من تحسينات وتطويرات.
هذا الزعيم بهذه المواصفات إن وجد في العالم العربي لأضاف ما يناسب من تعديلات دستورية تمنحه الحق في الترشح فترةً ثالثة ورابعة بل وعاشرة، لكنَّ دا سيلفا تقدَّم بتشجيع مرشح آخر إلى الرئاسة، ودعَّمه في حملته الانتخابية، وكما قاد بلاده إلى أن أصبحت واحدة من القوى الصاعدة في العالم سياسيًّا واقتصاديًَّا، فضلاً عن أن يصحب صعود القوة البرازيلية باحترام مبدأ تداول السلطة كأحد ركائز الديمقراطية؛ لضمان عدم انفراد الرئيس بالسلطة؛ لتحقيق مصالحه الشخصية في الاستمرار كرئيس متمتع بالسلطة والثروة، بغض النظر عن مصلحة بلاده، كما يحدث في العالم العربي.
صعود بقوة
ظلت البرازيل ولردح من الزمن مجرد بقعة خضراء، ولتكن أكبر بقعة خضراء في الحديقة الخلفية للبيت الأبيض تستبدل واشنطن حكامها، كما تشاء وحسب تقديرها ورؤيتها، والآن تبدو البرازيل- وفقًا لحسابات الكثير من الباحثين والمحللين السياسيين- قوةً صاعدةً؛ قد تمثِّل مع دول أخرى كالصين وروسيا والهند وتركيا بنيةً جديدةً لنظام عالمي متعدد الأقطاب، ينهي حقبة من الأحادية القطبية التي عانى العالم تحت هيمنتها من سياسات الاستعمار الجديد؛ فقد استطاعت البرازيل تخطِّي فترات عدم الاستقرار السياسي التي شهدتها منذ نهاية فترة الحكم العسكري في عام 1985م، وخاصةً في عام 1992م، مع توجيه اتهامات بالفساد لفيرناندو كولور دي ميللو أول رئيس برازيلي منتخب، لتصبح فيما بعد من أكثر الدول المؤهلة للقيام بدور محوري على المستوى الدولي.
وهو ما تؤكده دراسة تحت عنوان "البرازيل.. مرشحة لتتبوأ مكانة دولة عظمى" الواردة ضمن كتاب "القوى والمبادئ.. القيادة الدولية في عالم آخذ في التقلُّص"، الصادر عن مؤسسة ستانلي الأمريكية مايو 2009م، كما صدر عن الدار العربية للعلوم ومركز الجزيرة للدراسات كتاب بعنوان "البرازيل.. القوة الصاعدة في أمريكا اللاتينية" من تأليف مجموعة من الباحثين يستعرض التجربة التنموية للبرازيل والنهج الذي اتبعته حتى صارت تشغل مركز ثامن اقتصاد عالمي، إلى جانب عضويتها في مجموعة العشرين العالمية.
قوة اقتصادية
يعدُّ الوجه الاقتصادي أبرز أوجه الصعود الذي رافقه تداول للسلطة، ليس فقط لما تم إنجازه من نجاحات؛ ولكن لأن المسائل الاقتصادية قد تكون الأوضح من ناحية القياس بالأرقام، كما أن القوة الاقتصادية والعلاقات الاقتصادية يتم بناء القوة السياسية والعسكرية وغيرها عليها من أوجه القوة.
وتبدو البرازيل اليوم على استعداد تام لمواجهة أشد الصدمات الاقتصادية الخارجية قسوةً، وتتسلح في ذلك بسعر صرف مرن واحتياطي ضخم من العملات الأجنبية، كما أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تتناقص بشكل ملحوظ، بالإضافة إلى أن البنك المركزي البرازيلي يدير نظامًا يهدف إلى تحقيق مستوى معقول من التضخم؛ كما يتميز سعر الفائدة الحقيقي بارتفاعه، وهو ما يعني أن البنك المركزي بوسعه الاستمرار في خفض سعر الفائدة؛ من أجل تحقيق النمو الاقتصادي.
![]() |
والأهم هنا أن العدوى التي أحدثتها سندات الرهن العقاري لم تنتقل إلى النظام البنكي البرازيلي، ومن ثم لم يتعرض هذا النظام لخسائر في السندات المالية المدعومة بالأصول ومشتقاتها؛ أما الوساطة المالية التي تعدُّ منخفضة في البرازيل مقارنةً بمعايير الدول المتقدمة فتقوم بها بشكل أساسي مؤسسات محلية تخضع لرقابة حكومية شديدة.
وقد شهدت الطبقة المتوسطة نموًّا كبيرًا؛ نتيجة الاقتصاد الكلي والنمو الاقتصادي والسياسات العامة الهادفة إلى محاربة التفاوت في الدخل ومشروعات البنية الأساسية الضخمة التي ما زالت تحت الإنشاء، وإتاحة التعليم لجميع المواطنين.
ومن إشارات الصعود الاقتصادي أن قامت إحدى الشركات الحكومية البرازيلية، وهي شركة بتروبراس للبترول، بتدشين أكبر عملية اكتتاب في العالم؛ من خلال بيع أسهم جديدة بقيمة تبلغ حوالي 120 مليار ريال برازيلي؛ أي ما يقارب 70 مليار دولار أمريكي، ولا يتوقَّف الاقتصاد البرازيلي على البترول وغيره من الموارد الطبيعية والمواد الأولية، وإنما يصعد الاقتصاد البرازيلي على السُلَّم الصناعي العالمي بوتيرة منتظمة أيضًا؛ حيث تصنع البرازيل الكثير من الآلات التكنولوجية الحديثة، بل إنها وصلت إلى تطوير الصناعات العسكرية، وقد أجرت منذ أيام مع دولة الإمارات محادثات بشأن اقتناء وتصنيع أجزاء من طائرة الشحن العسكرية المتوسطة الحجم والمدى KC-390 والمخصصة أيضًا كطائرة صهريج محليًّا.
وتوقَّعت الشركة البرازيلية إمبرايير الصانعة للطائرة أن تبلغ مبيعاتها 700 طائرة، عندما تدخل الخدمة الفعلية في عام 2015م، ويمكن لهذه الطائرة أن تحمل حمولة تصل إلى 23.6 طنًا، وستزوَّد بمحركين نفاثين من فئة CFM 56 أو V2500.
توسعت علاقات البرازيل الاقتصادية بدول العالم، وكان لتوجيهات الدولة الاقتصادية مغزاها السياسي؛ حيث توسَّعت في علاقاتها الاقتصادية مع كلٍّ من تركيا وإيران والعديد من الدول العربية، وعلى رأسها سوريا ودول مجلس التعاون الخليجي والسودان، التي وقَّعت معها مؤخرًا اتفاقيات بقيمة تصل إلى 500 مليون دولار، وكان الاتفاق بين عدد من الشركات السودانية ومجموعات زراعية وإنشائية وهندسية برازيلية، ويعكس هذا توجُّه الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا الذي دفع بقوة ضغط جديدة بقصد إحداث تسيير متعدد للتجارة العالمية، وذلك بتشكيل شراكات مع دول الجنوب ففي 2003م في الندوة العالمية للتجارة تزعم تحالفًا مكَّنه من توسيع مجموعة الثمانية إلى مجموعة العشرين، ثم شكل قطب إيباس مع الهند وجنوب إفريقيا وقطب إيريك مع روسيا والهند والصين، وأدَّى ذلك إلى تحطُّم مشروع المنطقة الحرة الذي عملت واشنطن على إنشائه في الجنوب؛ ليتوجَّه بعدها إلى الدول العربية وتركيا وإيران.
قوة سياسية
![]() |
|
سيلفا مع ديلما روسيف التي رشحها لخلافته |
ونجحت البرازيل تحت حكم دا سيلفا في أن تجعل من مجموعة العشرين التي تشمل الدول الغنية والنامية مكانةً كبيرةً للمناقشات حول النظام العالمي الجديد لحساب الدول الصاعدة على حساب الدول الصناعية الكبرى، التي تشكِّل مجموعة الثمانية؛ كما نجحت البرازيل في الجلوس على مقعد ولو غير دائم في مجلس الأمن الدولي، وتدخَّلت إلى جوار تركيا لنزع فتيل أزمة الملف النووي الإيراني.
واتخذت البرازيل موقفًا مناصرًا للحقوق العربية والفلسطينية في الصراع مع الكيان الصهيوني، كما ساندت كلاًّ من تشافيز في فنزويلا وكاسترو في كوبا، وعبَّرت عن معارضتها استمرار الحرب في كلٍّ من العراق وأفغانستان وظلَّت البرازيل من خلال مقعدها غير الدائم في مجلس الأمن الدولي، متميزةً بأداء تصويتي لا يقف إلى جانب الخيارات الأمريكية، وظلَّت محافظةً على استقلالية قرارها السياسي الدولي والإقليمي، رغم ضغوط واشنطن؛ لتنضم بذلك إلى القوى التي لا تزال تتبلور حول العالم؛ لخلق عالم آخر تختلف ألوانه عن ألوان العلم الأمريكي، عالم متعدد الأقطاب.
تحديات الرئيس البرازيلي الجديد
تختلف التحديات التي ستواجه الرئيس البرازيلي الجديد باختلاف إرادة الرئيس نفسه وسياسته، سواء الداخلية أو الخارجية، فإنه بالرغم من اتفاق جميع مرشحي الرئاسة البرازيلية على التوجُّه الأيديولوجي؛ حيث ينتمي الجميع تقريبًا إلى اليسار، لكنَّ تنفيذ أية أيديولوجية يخضع لرؤية القائمين عليها، للظروف المحيطة بهم، وتكييفها تبعًا لما يرونه مناسبًا لهذه الظروف.
يرى محللون أن جولة الإعادة بين ديلما روسيف مرشحة الرئيس لولا دا سيلفا والسياسي المحنك جوزيه سيرا ستحدد اتجاهات البرازيل، خاصةً على صعيد السياسة الخارجية؛ حيث إن المرشحة الأولى روسيف يقف خلفها الرئيس الحالي دا سيلفا، ويعني انتخابها كرئيسة للبلاد استمرارًا لسياسة ونهج سلفها على الصعيد الداخلي والخارجي على حد سواء، مشيرين في ذلك إلى خلفيتها الثورية اليسارية، وهو ما يرسم خريطة أمريكا اللاتينية؛ بما يجعلها مؤثرةً بشكل أكبر في رسم خريطة العالم الإستراتيجية الجديدة في عالم متعدد الأقطاب، بينما يشير هؤلاء المحللون أنفسهم إلى أن جوزيه سيرا المرشح الثاني للرئاسة البرازيلية يمثِّل مصالح الغرب؛ ما يعني اختلاف التحديات باختلاف الرئيس.
وتظهر نتيجة الجولة الأولى من الانتخابات كما تظهر استطلاعات الرأي، حيث تقدَّم روسيف على منافسها سيرا؛ ما يعني مواجهتها العديد من التحديات التي كانت تقف أمام لولا دا سيلفا والتي نذكر منها الآتي:
- على الصعيد الاقتصادي لا تزال البرازيل تواجه عقبات صعبة تحول دون استمرار نمو الإنتاجية فيها، وفي مقدمة تلك العقبات ضعف مستوى البنية التحتية والمستوى المرتفع من تجريد ملكية الاستثمار الخاص، وعدم ضمان حقوق التملُّك.
- أما على الصعيد السياسي فعليها أن تواجه صعوبات رفض الأعضاء الدائمين بمجلس الأمن الدولي برنامجها إصلاح المنظمة الدولية، بمنحها أو غيرها عضوية دائمة بالمجلس الذي يتقاسم أعضاؤه الهيمنة على الأمم المتحدة بقيادة أمريكية، حتى لو تراجعت هذه القيادة نوعًا ما، كما أن الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ينظران إلى أن تحركات البرازيل في الشرق الأوسط وعلاقاتها بكل من تركيا وإيران- بالإضافة إلى موقفها من القضية الفلسطينية واحتلال الكيان الصهيوني للأراضي العربية- هو ما قد يعرض البرازيل للتآمر والتهديد..
فهل ينجح الغرب في كسر شوكة العملاق الهادئ؟ أم ستنجح البرازيل- بفضل ما رسمه لولا دا سيلفا من سياسة ومنهج- في التصدِّي لجميع التحديات والمعوقات التي تقف أمام صعودها؟! هذا ما ستجيبنا عنه ديلما روسيف نهاية هذا الشهر.

