مَن المستفيد من أوسلو؟ وهل حققت الاتفاقية طموحات الشعب الفلسطيني وحسَّنت من ظروفه المعيشية؟ أو حتى على الأقل خففت من حدَّة القمع الصهيوني ووطأة الاحتلال؟ وهل كان تأسيس السلطة الفلسطينية إضافة إلى المشروع المقاوم أم كان عامل تعويق وإجهاض أو إضعاف له؟ وهل تمثِّل هذه السلطة الشعب الفلسطيني أصدق تمثيل أم هي أقرب للمصلحة الأمريكية والصهيونية؟
وأسئلة أخرى كثيرة نأتي بالردِّ عليها من خلال استعراض ما نشرته الصحافة الصهيونية والتقارير الدولية، التي كشفت حقيقة الدور الذي تلعبه السلطة الآن في تكريس الانقسام الفلسطيني، وزيادة معاناة الشعب الفلسطيني، والأخطر من ذلك هو التعاون المفضوح مع الاحتلال.
بداية ننقل ما كتبه عميره هاس في جريدة (هاآرتس) الصهيونية: "ممثلو منظمة تحرير فلسطين والسلطة الأبديون: محمود عباس، وأحمد قريع، وصائب عريقات، يواصلون رغم المعارضة الداخلية المشاركة في هذه المفاوضات الوهمية، اللجنة المركزية لحركة فتح نشرت في ختام جلسة مع محمود عباس تحذيرًا من تدمير المحادثات؛ بسبب البناء في المستوطنات، ربما كان هذا تحذيرًا من أجل الاستهلاك الداخلي فقط، ولكن تحذيرات مشابهة كذلك تم سماعها في عام 1996م وفي عام 2000م، وفي "إسرائيل" تعاملوا مع هذه التحذيرات بعدم اهتمام؛ لاعتقادهم أن مشاركة القادة الفلسطينيين في المفاوضات الوهمية هي الأمر الحاسم، أما بالنسبة للجمهور الفلسطيني فقد عُدَّت هذه التحذيرات فارغة خاوية" (1).
لا يوجد أفضل من أبي مازن، هذا ما أكده شلومو جازيت الرئيس الأسبق للاستخبارات العسكرية الصهيونية، حين لوَّح عباس بعدم رغبته في المنافسة على انتخابات الرئاسة والمؤجلة حتى الآن، وكتب قائلاً: "نحن نعرف أبا مازن منذ سنين، فهو الذي كان شريك يوسي بيلين في اقتراح مخطط اتفاق سياسي إسرائيلي فلسطيني قبل نحو 15 عامًا، وباستعراض الأشخاص الذين في قمة القيادة الفلسطينية، فهو الزعيم الفلسطيني الوحيد الذي يمكن معه تقديم مسيرة سياسية، ولكنَّنا نتخذ خطوات ترمي إلى تقزيم مكانة أبي مازن، وإضعاف ما بقي له من سلطة لإدارة التفاوض، وهي خطوات ربما لا تُفضي حتى إلى صرفه عن المنصة العامة، بيد أن القضية لن تُحل، ولن تنتهي بذلك، والنتائج معلومة مقدمًا في النضال الفلسطيني الداخلي بين فتح وحماس، فستكون يد حماس هي العليا".
ويضيف: "في هذا الواقع الجديد سنواجه حركة فلسطينية تسلب إسرائيل وجودها البتة، وترفض كل حلٍّ واتفاق سياسي معها، والذي هو أخطر وأشد أن حركة حماس تحول النزاع بيننا من نزاع سياسي إلى نزاع عقائدي ديني، وإلى مواجهة لا هوادة فيها بين الإسلام واليهودية. ولا يجوز لنا أن نصل إلى ذلك، ولا يحل لنا أن نتحمل المسئولية عن ذلك" (2).
أبو مازن يمثِّل من؟!
موشيه آرنس وزير الدفاع الصهيوني الأسبق يكشف مدى هشاشة وضع أبي مازن في الساحة الفلسطينية، ويصفه بأنه دمية في يد الإدارة الأمريكية، فيقول "محمود عباس أبو مازن لا يتمتع بتأييد جميع الفلسطينيين، بل ولا بتأييد أكثرهم، وترى حماس أن عباس ليس له الحق في تمثيل الفلسطينيين في المفاوضات القريبة، ومبلغ تأييده في يهودا والسامرة غير واضح أيضًا، والأهم أن عباس غير قادر على إمضاء اتفاق يوقعه مع نتنياهو، إنه عالم بهذا، ومن شبه المؤكَّد أن هذا هو سبب معارضته دخول التفاوض حتى جُرَّ إليه- وهو يركل ويصرخ- بيد رئيس الولايات المتحدة".
ويتابع: "يعلم الفلسطينيون ذلك؛ ويدرك الإسرائيليون- الذين يعرفون الساحة السياسية الفلسطينية جيدًا – ذلك أيضًا، ويصعب أن نصدق أن الأمريكيين غير متنبهين لهذا، فقد يفكر أوباما أن المال هو الجواب، وأن التأييد المالي الكافي لعباس سيعطيه آخر الأمر الشرعية والسلطة اللتين لا يملكهما، وفي الحقيقة إن المال يتدفق على جيوب ناس بلاط عباس، لكنه ليس بديلاً عن التأييد الذي لا يملكه من الفلسطينيين، وكم سيستمر هذا التفاوض حتى يصرخ شخص ما: الملك عارٍ؟".
ويضيف قائلاً: "حذَّر فلسطينيون كُثَّر عباس من دخول هذا التفاوض، إن قوة الولايات المتحدة وضغطها اللذين أفضيا به إلى مائدة المباحثات، جعلاه يبدو مثل دمية أمريكية. ولن يحسِّن فشل التفاوض مكانته عند الفلسطينيين"(3).
أما حركة فتح التي ينتمي إليها عباس والتي تتبنى هذا النهج التفاوضي، فيقول عنها روني شكيد: "تعيش حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح ذروة أزمة تنظيمية وأيديولوجية وفكرية وسياسية، فلقد فَقَدت في السنوات الأخيرة قوتها ومصداقيتها، صورتها في المناطق في الحضيض، قيادتها فاسدة ملوثة".
ويضيف: "الحركة كلها ليست حركة جماهيرية، وإنما مجموعة من النشطاء هم في أغلبيتهم من "عجائز تونس" الحرس القديم الذي عاد إلى المناطق بعد أوسلو، وفتح تواصل بقاءها ليس بفضل الحنين إلى الكفاح المسلَّح أو بفضل أسطورة القائد الجبار ياسر عرفات؛ ولكن بالأساس بمساعدة من إسرائيل والولايات المتحدة"(4).
إسرائيل تشكل مركزية فتح!
في المؤتمر السادس لحركة فتح الذي عقد في آب أغسطس 2009م ببيت لحم، قدَّم الكيان الصهيوني كل دعم؛ لازم حتى يتسنى لوكيلها الحصري أبو مازن تحقيق أغلبية مريحة في انتخابات اللجنة المركزية لحركة فتح، ويقول روني شكيد: "أبو مازن قضى أغلبية وقته خارج المناطق؛ حتى يعزِّز معسكره وبلور مجموعة موالين ستدعمه في المؤتمر، وعندما تبلورت القائمة لم يتردد في الاتصال بنتنياهو، طالبًا مساعدته في إدخال أتباعه إلى بيت لحم، ونتنياهو صادقَ على كل القائمة بما في ذلك محمد غنيم أبو ماهر الذي يتردد اسمه كأحد خلفائه المحتملين، وهو لم يرجع للمناطق بسبب معارضته لاتفاقيات أوسلو، وقبل ثلاثة أسابيع اتصل أبو مازن شخصيِّا بنتنياهو وحصل على مصادقته من أجل دخول غنيم.
وحتى أبو عصبة أحد المخربين الذين نفَّذوا عملية الباص في الساحل في عام 1978 م(5)- واليوم هو من أنصار أبو مازن، حصل هو الآخر على تصريح دخول خاص بفضل نتنياهو- ولم يخجل من الاعتراف بأن "العدو الصهيوني صادق على دخول كل نواب فتح، أما حماس فلا (6).
جيل جديد من القادة الفلسطينيين
"كان من الصعب إيقاف دموع العمر: محمود عباس انتُخب مرة أخرى رئيسًا لحركة فتح، وهناك أيضًا رفاق معروفون إلى جانبه جبريل رجوب، محمد دحلان، صائب عريقات، توفيق الطيراوي، أية فرحة فها نحن نحصل أخيرًا على جيل جديد من القادة الفلسطينيين، من أولئك الذين يمكن أن نعقد الأعمال والصفقات معهم، الانفعال في إسرائيل كان كبيرًا"(7).
استمرارًا لدور عباس
أما الكاتب أفي يسسخروف فكتب في "هاآرتس" الصهيونية:
"لقد أظهر الرئيس الفلسطيني في العقد الأخير شجاعة سياسية تثير الحسد في كل إسرائيلي؛ لأن زعماءه تنقصهم شجاعة كهذه، كان عباس- منذ أيام الانتفاضة الثانية - الزعيم الفلسطيني الوحيد الذي قال علنًا إنه يجب وقف العنف، في بدء 2005م- أثناء حملته الانتخابية- وجَّه عباس انتقادًا إلى إطلاق صواريخ القسام من غزة، بحجة أنه يضرُّ بالمصالح الفلسطينية، وكانت تلك خطوة يمكن أن تُعد انتحارًا سياسيًّا.
وتبينت زعامته للناظر أكثر من كل شيء في السنين الثلاث الأخيرة، صحيح أن عباس لا يسيطر على قطاع غزة، لكن الكلمة الوحيدة التي تلائم وصف ما يحدث في الضفة هي الثورة، وينجح عباس في هدوء وإصرار في تغيير وجه الضفة، وقد أحدث مع رئيس الحكومة سلام فياض واقعًا مختلفًا غير معروف للفلسطينيين؛ فاختفى المسلَّحون، وانخفض عدد العمليات ضد الإسرائيليين انخفاضًا كبيرًا.
وفي أيام حرب الرصاص المصهور على غزة، عندما ثارت الدول العربية كلها بمظاهرات على إسرائيل، كانت الضفة أهدأ مكان في الشرق الأوسط بل حتى قياسًا بإسرائيل(8).
ويقول أفي يسسخروف في الجريدة نفسها، ردًا على عملية الخليل: "أجرت أجهزة أمن السلطة الفلسطينية موجة اعتقالات هي الأكبر في العقد الماضي في أوساط نشطاء حماس، وذلك في أعقاب العملية التي وقعت قرب قرية بني نعيم وقُتل فيها أربعة مستوطنين، بحسب مصدر أمني فلسطيني لصحيفة "هاآرتس"، ووقعت العملية في المنطقة (ج) الواقعة تحت السيطرة الأمنية والمدنية الإسرائيلية، ولكن يمكنك أن تفهم أنه من الصعب علينا أن نفهم ماذا حصل بالضبط هناك دون أن نكون متواجدين في الساحة نفسها، كل من قال كلمة في غير مكانها اعتُقل كل من يرتبط بحماس اعتقل"(9).
قائد دمية!!
ويعلق الكاتب الصهيوني جدعون ليفي- تحت عنوان بالغ الدلالة "قائد دمية"- على ذهاب عباس إلى مؤتمر أنابوليس الذي عُقد في مدينة أنابوليس الأمريكية في 27 نوفمبر 2007م، وعلى الرغم من قِدم المقال فإنه لو وضعنا عليه تاريخ اليوم، ما كان هناك فرق مطلقًا بين ما جرى في 2007م وبين ما يجري في 2010م.
ويقول ليفي- وكأنه أكثر عروبة من كثير من العرب وأكثر فلسطينية من هؤلاء الذين يتحدثون باسم الشعب الفلسطيني-: "محمود عباس مُلزَم بالبقاء في البيت، من المحظور أن يسافر إلى واشنطن في الظروف الحاليِّة، لقاءاته مع إيهود أولمرت تتحول هي الأخرى إلى مسألة مهينة ومذلة لشعبه، ولن تتمخض عن أي شيء جيد.
ويضيف: العقل لا يطيق المزيد من مسرحيات الزيارات الوديَّة الدافئة التي يقوم بها قائد فلسطيني للقدس مع لثم خدود زوجة رئيس الوزراء بالقُبلات، هذا الرئيس الذي يهدِّد في ذات الوقت بوضع مليون ونصف من أبناء شعبه تحت الحصار والتجويع والظلام، لو كان أبو مازن زعيمًا قوميًّا حقيقيًّا- وليس شخصية وهمية صغيرة- لكان عليه أن يصرح: لا مؤتمر، ولا لقاءات إلى أن يُرفع الحصار عن غزة، ولو كان يتميز بالمقام التاريخي الرفيع لأضاف قائلاً: "المؤتمر مع إسماعيل هنية فقط، فهو أيضًا يمثل الفلسطينيين".
ويتابع: وإذا كانت إسرائيل تريد السلام حقًا- وليس مجرد إعلان مبادئ مع قائد دُمية لن يُفضي إلى أي شيء- لكان عليها أن تحترم ذلك، على إسرائيل أيضًا أن تكون معنية بأن يُعدَّ أبو مازن قائدًا في نظر شعبه، وليس فقط دمية مربوطة بخيط تحركه إسرائيل والولايات المتحدة أو اعتبارات قصيرة المدى والنظرة.
ولدى أبو مازن الضعيف الآن قوة في الفترة التي يتحركون فيها في واشنطن، وربما في القدس أيضًا، إلى فرصة لالتقاط الصور في مؤتمر السلام لإبراز "إنجاز" ما، لذا فبإمكانه وعليه أن يهدد بالمقاطعة؛ حتى يحاول انتزاع شيء ما على الأقل لأبناء شعبه، في غزة أيضًا التي تسيطر عليها حماس خصمه اللدود يعيش فلسطينيون، ولا يمكن لأبي مازن أن يواصل تجاهل الوضع غير الإنساني الذي يعيشون فيه محبوسين من قِبل إسرائيل.
إلا أن الانطباع هو أن أبا مازن ليس أكثر من متفرغ سياسي مواظب وقادر على البقاء، فهو لا يشارك في طقوس الأقنعة الأمريكي- الإسرائيلي؛ بسبب ضعفه أو سذاجته، وغزة بالنسبة له هي "منطقة معادية" الآن بدرجة لا تقل عنها بالنسبة لإسرائيل، بينه وبين إسرائيل الآن وحدة مخزية في المصالح ، ولن تكون مفيدة للجانبين.
ويكمل ليفي: أبو مازن- وفقًا لسلوكه- لا يكتفي بعدم معارضة ما ترتكبه إسرائيل في غزة؛ لا بل إنه يشاركها في الفرضية الحمقاء التي تعتقد أن الضغط القاسي سيؤدي إلى خضوع حماس وعودة المواطنين إلى أحضان فتح، وبذلك يبرهن أبو مازن على أنه بالفعل ليس صُوصًا لم ينبت ريشه بعد- كما نعته شارون- وإنما دجاجة سخيفة لا تكترث لمصلحة شعبها.
وكان من المفترض بمؤتمر السلام الحقيقي أن يدعو كل الأطراف المتنازعة، السلام يُعقد بين الأعداء اللدودين، والسؤال الحاسم ليس مشاركة السعودية فيه أو عدمها، فهذه مسألة بلا معنى، وإنما إذا كان هذا المؤتمر سيتضمن تمثيلاً فلسطينيًّا حقيقيًّا.
وأبو مازن يمثِّل في أقصى الأحوال نصف شعبه، وبإمكانه أن يحقِّق نصف اتفاق في أحسن الأحوال، ونصف الاتفاق هذا لن يصمد هو الآخر مع معارضة حماس القوية، فمصلحة كل الأطراف بما فيها أبو مازن تتمثل في جر حماس إلى طاولة المفاوضات، ومؤتمر سلام من دون حماس وسوريا هو أضحوكة، ولكن التحالف قصير النظر المكون من المثلث المصطنع: القدس- واشنطن- رام الله، يحاول عرض مسرحية وهمية عدمية على صورة "مباحثات السلام" من دون مشاركة الأطراف الحاسمة، والعالم بدوره يصفِّق لهذه التمثيلية العدمية.
ومن الصعب على ما يبدو أن نتوقَّع من أبو مازن أن يترفَّع عن اعتباراته الضيقة، وأن يدعو إلى مشاركة حماس التي انتخبت كما يذكر لإدارة الحكومة الفلسطينية عبر انتخابات ديمقراطية، ولكن الحد الأدنى المطلوب ممن يحمل اللقب الرفيع "رئيس السلطة الفلسطينية" هو أن يحاول الحرص على مصلحة كل أبناء شعبه، خصوصًا عندما يكونون في ضائقة فظيعة إلى هذا الحد.
ولكن بدلاً من العمل على وقف إطلاق النار وفتح غزة أمام العالم؛ ينشغلون الآن في صياغة ورقة عمل أخرى- لا تساوي حتى قيمة الورق التي كُتبت عليها، وسرعان ما ستلقى في مزبلة التاريخ كسابقاتها– وفرض المزيد من القرارات القاسية على سكان غزة، من المحظور على أبو مازن أن يشارك في هذه الحماقة التي تنزل على رءوسنا من واشنطن"(10).
المعركة الحاسمة مع حماس
المعركة الحاسمة للسلطة الفلسطينية ليست مع الاحتلال؛ وإنما هي- وللأسف الشديد- مع المشروع المقاوم وعلى رأسه حماس، يقول أفرايم هاليفي رئيس الموساد سابقًا: "قبل نحو أسبوعين أُتيح للجمهور في إسرائيل أن يُطل مباشرة على داخل الاستعدادات والحوارات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، قُبَيل المواجهة القريبة القادمة مع حماس، وقادة الجيش الإسرائيلي في يهودا والسامرة جلسوا إلى جانب قادة السلطة على مائدة إفطار في إحدى أمسيات صوم رمضان، واستغلوا الحدث ليرسموا المسار المخطط للقضاء على حماس، سواء في الضفة الغربية أو في قطاع غزة؛ ولهذه المناسبة الاستثنائية دُعِيَ صحفيون إسرائيليون كبار، ولهذا فواضح أنه اتُّخذ قرارٌ ليس فقط بالدفع إلى الأمام بالخطة المشتركة؛ بل أيضًا بإعطائها فرصة العلانية.
والقائد الفلسطيني الفتحاوي الجنرال علي، المفعَّم بثقة عالية بالنفس أكَّد أن قواته ستنجح أيضًا في: أن تعالج بنجاح انتفاضة محتملة لحماس في الضفة، والعودة إلى تنصيب حركة فتح كحاكم وحيد وناجع، بل وإعادة النظام إلى نصابه في قطاع غزة، وذلك حين تعود قواته لفرض القانون والنظام في الإقليم المتمرد الذي تحت السيطرة المؤقتة لإسماعيل هنية، ومحمود الزهار وأمثالهما، لهذه الغايات ستكون حاجةً بالطبع إلى مضاعفة حجم قوات المنظومة المقاتلة الفلسطينية ورفع مستوى معداتها الشخصية، وكذا قدرتها على الحركة، تحصين الوحدات المختلفة وغيرها.
إذا كان بالفعل قد اتخذ القرار، فعلينا أن نأمل في أن تخرج الخطة إلى حيز التنفيذ وتتوج بالنجاح، وإسرائيل مُلزَمة بذلك ليس فقط بسبب منظومة الاتفاقات التي رسمتها مع الشريك الفلسطيني، بل أيضًا بسبب التجنيد الكبير للولايات المتحدة في المعركة.
وإذا اتخذ القرار، فإن هزيمة قوات الجنرال علي ليست سيناريو مقبولاً أو محتملاً من ناحية إسرائيل أو من ناحية الولايات المتحدة، وعليه فيمكن أن يكون مطلوبًا دور إسرائيلي مباشر في القتال إلى جانب الفلسطينيين أو بدلاً منهم، كل ذلك وفقًا للظروف.
ونأمل في أن تقضي القوات الفلسطينية على حركة حماس، وتعود لتسيطر على غزة، ويكون بوسع إسرائيل والولايات المتحدة الترحيب بالأمر الناجز(11).
إعادة عباس إلى غزة هدف رئيسي للرصاص المصهور
"انتهت التهدئة، الجيش الإسرائيلي خرج في عملية الرصاص المصهور، ما هو إذًا الهدف الذي يتم من خلاله استخدام الجيش الإسرائيلي في هذه المرحلة؟، الأمور التي تصرِّح بها تسيبي ليفني والقائم بأعمال رئيس الوزراء حاييم رامون تشير إلى أن الهدف السياسي هو إسقاط حكم حماس؛ حتى يعود تنظيم فتح برئاسة أبو مازن لحكم قطاع غزة.
منذ الخمسينيات تخيَّل دافيد بن جوريون رعاية إسرائيل لضابط مسيحي ومساعدته بالسيطرة على لبنان والتوقيع معه على اتفاق سلام بعد ذلك، وفي فترة حرب حزيران يونيو، دعا أيجال يادين إلى احتلال جبل الدروز وإقامة دولة درزية حليفة هناك، وفي حرب لبنان الأولى جربنا هذا الطريق- التدخل بالقوة في سياسة جيراننا الداخلية- فاحترقنا، هذا الحلم الخيالي ورطنا في لبنان.
يتبين أن هناك من لم يتعلموا هذا الدرس، ويحاولون اليوم أيضًا إقامة نظم جديدة في الشرق الأوسط، بدم جنود الجيش الإسرائيلي، استخدام الجيش الإسرائيلي من أجل التدخل في السياسة الداخلية الفلسطينية ليس أخلاقيًّا الجيش الإسرائيلي موجود من أجل الدفاع عن دولة إسرائيل وليس لخدمة حزب معين عند العدو.
هذا التدخل ليس ذكيًّا، حماس تسيطر على قطاع غزة؛ لأن هذه رغبة الفلسطينيين هناك، ومجرد التفكير في إرسال الجنود الإسرائيليين للمخاطرة بحياتهم لمساعدة عدو لدود للتغلب على عدو لدود آخر في السياسية الداخلية الفلسطينية، هو عمى في البصيرة(12).
وثيقة فاضحة!
عندما يختلف اللصوص يفضح بعضهم بعضًا، وتنكشف الحقائق، هذا ما حدث في حرب الرصاص المصهور، إذ كشفت صحف الكيان عن أسوأ موقف لسلطة تسمِّي نفسها السلطة الوطنية الفلسطينية، تقول صحيفة (معاريف): "في وثيقة أُعدَّت لعناية وزير الخارجية ليبرمان، ورد أنه في أثناء حملة الرصاص المصهور، ضغطت محافل فلسطينية رفيعة المستوى على إسرائيل؛ للعمل بشكل حازم لإسقاط حكم حماس".
هذه هي المرة الأولى التي تذكر فيها وثيقة إسرائيلية رسمية صراحةً، حقيقة أن السلطة الفلسطينية شجَّعت إسرائيل على الخروج إلى حملة في غزة وضرب حماس(13).
المشاركة في العدوان!
ولم تكتف السلطة بتحريض الكيان الصهيوني على ضرب غزة لإسقاط حماس، بل فعلت ما هو أشد وأنكى، إذ شاركت مشاركة فعلية في الحرب على غزة، فلقد "كشفت القناة الثانية في التلفزيون الصهيوني أن رئيس هيئة الأركان جابي أشكنازي أرسل رسالة إلى المستشار القضائي للحكومة، كشف خلالها عن التعاون غير المسبوق بين الجيش والسلطة الفلسطينية، ممثَّلة في رئيسها خلال الحرب على غزة.
وأوضح أشكنازي أن مشاركة السلطة كانت أمنية بالدرجة الأولى، ثم محاربة ميدانية مشتركة بالدرجة الثانية خلال عملية الرصاص المصهور، مؤكدًا على أن الجيش والسلطة عملا جنبًا إلى جنب ضد حركة حماس خلال الحرب(14).
العمل الأسود!
ولقد كان لسلطة رام الله وأجهزتها الأمنية دور مخزٍ في قمع ردود الفعل الشعبية الغاضبة على ما يجري في غزة، وفي منع المقاومة في الضفة من نصرة إخوانهم في غزة، يقول عكيفا الدار: "تركيا غاضبة، والسعودية تغلي، وقطر تقاطع، والضفة الغربية- وهي أقرب جماعة إلى مئات القتلى وآلاف الجرحى في قطاع غزة- تحتفظ بضبط النفس؛ بل إن شوارع القدس الشرقية واللد أكثر هياجًا من أزقة جنين ورام الله".
وكادت قوات الأمن الصهيونية- التي استعدت لإمكان انتشار المواجهة في جميع أنحاء الأراضي المحتلة- تبقى بلا عمل، فرجال شرطة السلطة الفلسطينية يؤدون العمل بدلاً منها، والضباط الذين سُخِّروا من أجهزة أمن السلطة يمتدحون عملهم وتمسكهم بالمهمات.
فكم من الوقت سيظَل أبو مازن يقوم من أجلنا بالعمل الأسود؟ إلى متى سيوافق رجال شرطته على التعاون مع سلطات الاحتلال؟
إن عملية الرصاص المصهور تمنح ورثة شارون فرصةً نادرةً؛ لجمع الشظايا التي خلَّفها بطلهم وراءه، هذا وقت تصحيح الأخطاء التي أدَّت إلى فوز حماس في الانتخابات وجلبت كارثةً على أولاد النقب وغزة، فلن تعود فتح إلى غزة راكبةً دبابات صهيونية دمَّرت أحياءها. يجب أن تعود فتح إلى هناك فوق رافعات البناء التي ستعيد بناء أنقاضها(15).
الكيان يتنصل من التزامات أوسلو!
نفَّذت سلطة أوسلو كل ما تعهَّدت به، سواء في أوسلو أو ما تلاها من اتفاقيات مثل: واي ريفر، وخارطة الطريق، بما فيها القضاء على المقاومة، وكانت في تنفيذها لتعهداتها ملكية أكثر من الملك، بينما لم ينفِّذ الكيان الصهيوني تقريبًا تعهدًا واحدًا من تعهداته، ويعلِّق عكيفا الدار على رفض الكيان الصهيوني تجميد الاستيطان أثناء المفاوضات الدائرة الآن، فيقول: "وزير الخارجية قال في مكالمة هاتفية أجراها نهاية الأسبوع مع نظيره البريطاني، وليام هيج: إن التجميد ليس سوى ذريعة فلسطينية إلى إفشال المحادثات المباشرة، فقمنا بما يكفي من التفضلات، والآن جاء دور الفلسطينيين، وأبلغ ليبرمان الوزير البريطاني أن التجميد لن يُمدَّد.
وليس طلب تجميد البناء في المناطق "ذريعة"، فهذا موقف فلسطيني شرعي لا مثيلَ له، فما الذي يدعوهم إلى التخلي عن طلب يحظى بتفهُّم وتأييد من جميع دول العالم سوى دولة واحدة؟ وليس تجميد البناء أيضًا "تفضلاً" من "إسرائيل"؛ ففي قرارها في الخامس والعشرين من مايو/ آيار 2003م تبني خريطة الطريق التزمت حكومة "إسرائيل" أن تجمِّد كل النشاط الاستيطاني بما فيه الزيادة الطبيعية، وأن تنقض البؤر الاستيطانية التي أُنشئت منذ مارس آذار 2001، إلا أنه استمر البناء في المستوطنات، وظلت البؤر الاستيطانية تتسع.
وفي 19 نوفمبر/ تشرين الثاني 2003م، حصلت خريطة الطريق- وفيها التزام التجميد التام للبناء ونقض البؤر الاستيطانية- على الموافقة الرسمية من الأمم المتحدة، وصوَّت أعضاء مجلس الأمن الـ15 كلهم بما فيهم الولايات المتحدة- بقيادة جورج بوش لا باراك حسين أوباما- تأييدًا للقرار رقم 1515.
وبعد ذلك بأيام معدودة- في أثناء زيارة لبريطانيا- دعا بوش إسرائيل إلى تجميد بناء المستوطنات، وإلى نقض البؤر الاستيطانية غير القانونية، ووضع حد لإذلال الفلسطينيين اليومي، إلا أنه أيضًا استمرَّ البناء في المستوطنات وظلَّت البؤر الاستيطانية تتسع.
وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 2007م، استجاب محمود عباس لدعوة بوش إلى المشاركة في مؤتمر أنابوليس، الذي افتتح التفاوض في التسوية الدائمة، واستمرَّت المحادثات حتى خريف 2008م، أثناء ذلك استمرَّ البناء في المستوطنات واتسعت البؤر الاستيطانية.
وفي 26 نوفمبر/ تشرين الثاني من العام الماضي، بعد ضغط ثقيل من الولايات المتحدة- لا تفضلاً على الفلسطينيين، ولا لأنه ينبغي احترام التزام الحكومة أو طاعة قرارات الأمم المتحدة- أصدرت الحكومة أمر تجميد لمدة عشرة أشهر.
وفي السادس والعشرين من يناير/ كانون الثاني هذا العام فصّل متان فلنائي نائب وزير الدفاع قائمة المستوطنات الـ29 التي تبيَّن أن بها إخلال بأمر التجميد، إحداها هي مستوطنة نوكديم، شرقي جدار الفصل و"الكتل الاستيطانية"، وهي مستوطنة وزير الخارجية الوحيد في العالم الذي يمضي؛ لينام ويستيقظ في الصباح خارج مساحة سيادة دولته(16).
التقارير الدولية تفضح نهج أوسلو
هذه المفاوضات الوهمية العبثية تقدِّم ستارًا فلسطينيًّا لما يقوم به الكيان من تكريسٍ للاحتلال، وعزل للقدس، وتهويد للمدينة المقدسة، وقضم المزيد من الأراضي الفلسطينية، وتكريس سياسة الأمر الواقع، وإن ما يحدث في الضفة اليوم هو نكبة جديدة بكل المقاييس:
(1) وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الأونروا:
أصدرت الأنروا نداءً طارئًا لعام 2009م، يتحدث عن أوضاع الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع، وهذا النداء هو شهادة دولية لا يمكن التشكيك فيها، شهادة تفضح الاحتلال والسائرين في ركابه تحت مسمى المفاوضات، وتبيِّن فشل خيار السلام الذي ساءت فيه الأوضاع على الأرض بشدة.
ويقول نداء الأونروا: "الفلسطينيون في الضفة الغربية لا يزالون يواجهون قيودًا شديدةً على الحركة، وفقًا لتقييم مكتب الشئون الإنسانية، وفي الأشهر الستة الأخيرة، عدد الحواجز في تزايد مستمر، تسارع توسيع في المستوطنات والبنية التحتية المرتبطة بها، واستمرار بناء الجدار الذي ينتهك القانون الدولي، بما مجموعه 40% من الضفة الغربية استولت عليها البنية التحتية الإسرائيلية، وحُرم منها الفلسطينيون تمامًا.
والتجمعات والمناطق الفلسطينية يتمُّ تجزئتها وعزلها، والانتقال من وإلى وبين المراكز السكانية الرئيسية، بما فيها القدس الشرقية التي يتم التحكم فيها بالبوابات وتصاريح المرور صارت أكثر صعوبة.
وحتى نقاط التفتيش زادت من 569 في بداية 2008م إلى 630 في سبتمبر/ أيلول 2008م، بينما كانت 518 عام 2006م، 552 عام 2007م، هذا عدا نقاط التفتيش العشوائية أو الطيارة التي يُقدِّر عددها مكتب تنسيق الشئون الإنسانية بـ80 نقطة تفتيش في الأسبوع.
وعلى الرغم من تجديد الالتزامات في مؤتمر أنابوليس بتجميد الاستيطان، وتفكيك المستوطنات التي بنيت منذ 2001م؛ فلقد تسارع بناء الوحدات السكنية في الاثنا عشر شهرًا الماضية، وطبقًا لمكتب الإحصاء المركزي الصهيوني، فإنه يتوقع لمعدلات النمو السكاني في المستوطنات أن تكون ثلاثة أضعاف أعلى من إسرائيل (17).
هذا غيض من فيض من التقرير الذي تكوَّن من ثمانٍ وثلاثين صفحة، كل صفحة منه هي إدانة للاحتلال، وإدانة لخيار السلام، وصفعة على وجوهنا جميعًا، إن لم تتحرك الأمة تحركًا فعَّالاً؛ لدعم خيار المقاومة باعتباره السبيل الوحيد لردع الاحتلال ووقف مخططاته، وباعتباره أيضًا السبيل الوحيد الذي أثبت فعاليته في لبنان عام 2000م، وفي غزة عام 2005م.
2- اللجنة الدولية للصليب الأحمر:
أصدرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر تقريرًا يحمل عنوانًا مؤلمًا "نكران الكرامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة"، وحمل التقرير عبارات ليست إدانة للكيان الصهيوني وحده، بل لسلطة أوسلو، وللأمتين العربية والإسلامية، والمجتمع الدولي ككل، وفي مقتطفات من التقرير هي: "يواجه الفلسطينيون باستمرار صعوبة المضي في حياتهم في الأراضي الفلسطينية المحتلة: قطاع غزة والضفة الغربية، ويواجه سكان الأراضي الفلسطينية أزمة إنسانية عميقة؛ حيث يتم إنكار الكرامة الإنسانية للملايين منهم، ولا يحصل ذلك بين الفينة والفينة، ولكن بشكلٍ يومي".
ولا يمكن التنبؤ بأي شيء بالنسبة للفلسطينيين، فالقواعد يمكن أن تتغير بين ليلةٍ وضحاها دون سابق علم أو تفسير، فهم يعيشون في بيئةٍ تسود فيها العشوائية، ويحاولون التكيف بشكلٍ مستمر مع الظروف التي لا يمكنهم يؤثروا فيها، والتي ما تنفك تضيق الفرص المتاحة أمامهم (18).
"ومنذ فك الارتباط من جانب واحد عام 2005 أنشأت إسرائيل منطقة عازلة على طول السياج المحيط بغزة، وتوسعت إلى داخل القطاع الضيِّق والمكتظ بالسكان؛ ما أتى بعواقب وخيمة على السكان، ويخسر الأهالي المزيد والمزيد من الأراضي؛ من جرَّاء التوسع غير الواضح لهذه المنطقة العازلة؛ ما يعرِّض الأشخاص الذين يقتربون منها للخطر، وفي الواقع، غالبًا ما يُقتَل سكان غزة أو يُصابون بجروح أو يُعتقلون عند اقترابهم من السياج (19).
"إن الوضع الإنساني في الضفة الغربية يتدهور يومًا بعد يوم، ويقف الفلسطينيون مكتوفي الأيدي وهم يرون مصادرة أراضيهم، ومع مرور السنوات، توسَّعت المستوطنات والطرقات الإسرائيلية، واستولت على المزيد والمزيد من الأراضي التي زرعتها العائلات نفسها لأجيال عدة.
ومنذ بناء حاجز الضفة الغربية، لم تعد مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في متناول المزارعين، إذْ إن الحاجز يعزل العديد من القرى عن الأراضي، وخلال فصل الصيف، وقف المزارعون لا حول ولا قوة لهم يشاهدون الحرائق التي تأتي على أشجار الزيتون المعزولة خلف الحاجز، لقد تمَّ عزل هؤلاء المزارعين من المنطقة، إذ إنه لم يتقرر فتح البوابة أو أنهم كانوا يفتقرون إلى الترخيص المطلوب، استلزم بعض هذه الأشجار أكثر من خمسين عامًا لتنمو.. جيلان من العمل والرعاية اندثرا في ليلةٍ واحدة.
وحتى يحصل المزارع على التراخيص المطلوبة للوصول إلى أرضه، ينبغي له أن يجاهد في المتاهة البيروقراطية؛ حيث يُطلب منه توفير مجموعة من الوثائق تبرهن أنه مالك هذه الأرض ومحل إقامته، ويمضي معظم المزارعين ساعات طوال في مكاتب الإدارة المدنية الصهيونية، لتقيم طلباتهم للحصول على هذه التراخيص، ويتمُّ رفض الكثير من الطلبات لأسباب أمنية مثلاً أن أحد الأقرباء كان سجينًا في أحد السجون الصهيونية (20).
"ولقد أصبحت العديد من الطرق في الضفة الغربية التي كانت تربط القرى الفلسطينية بالمدن المجاورة مغلقة؛ بسبب كتل من الإسمنت أو الخنادق أو التلال الأرضية أو البوابات الحديدية، وتؤدي هذه العوائق إلى قطع الفلسطينيين عن أراضيهم وعن الموارد المائية، وقرية عن أخرى، ومحافظة عن أخرى(21).
"ولا يُسلَب الفلسطينيون الذين يعيشون بالقرب من المستوطنات الإسرائيلية أراضيهم فحسب، وإنما يتعرَّضون في كثير من الأحيان لمضايقات المستوطنين، وقد ارتفع عدد هذه الاعتداءات التي يتعرض لها المدنيون في الضفة الغربية بشكل مطرد، وتشير البيانات التي جمعتها اللجنة الدولية في الميدان إلى أن عدد الجرائم ارتفع لأكثر من ثلاثة أضعاف خلال السنوات الخمس الماضية، في حين أن التحقيقات الكاملة التي تجريها الشرطة نادرة وتخلص في أغلب الأحيان إلى أن: لم يكن بالإمكان تحديد الجناة(22).
وتختم اللجنة تقريرها بهذه العبارات المؤلمة: "تُدَاس كرامة الفلسطينيين بالأقدام يومًا بعد يوم في الضفة الغربية وغزة، وتنطوي الإجراءات الأمنية الصارمة التي تفرضها إسرائيل على تكاليف إنسانية باهظة، فهي تترك للذين يعيشون تحت الاحتلال ما يكفي للبقاء على قيد الحياة؛ ولكن ليس ما فيه الكفاية للحياة حياة عادية كريمة(23).
3- مكتب تنسيق الشئون الإنسانية التابع للأمم المتحدة:
ويكشف تقرير مكتب تنسيق الشئون الإنسانية عن حجم النكبة التي تجري على الأرض في الضفة الغربية، ففي سلسلة تتحدث عن أوضاع المدن الفلسطينية بدأت ببيت لحم، يقول التقرير: "تتألف محافظة بيت لحم مما يقارب 660 كيلو متر مربع، وبعد أربعة عقود من الاحتلال الإسرائيلي- فقط نسبة تقارب 13 % من أراضي محافظة بيت لحم هي في متناول يد الفلسطينيين وجزء كبير منها مقطع الأوصا، بالإضافة إلى ذلك، حدث تقليص شديد في إمكانية الوصول إلى القدس الشرقية، وقد أدت الإجراءات الإسرائيلية إلى تقليص إمكانية وصول الفلسطينيين والمساحة المتاحة لهم.
وتشمل هذه الإجراءات على توسع مستمر للمستوطنات الإسرائيلية والبؤر الاستيطانية، وبناء الجدار، وترسيم معظم أراضي محافظة بيت لحم كمنطق (ج)؛ حيث يحتفظ الكيان فيها بالسيطرة على البناء، وتُخصَّص القيود المادية والإدارية معظم ما تبقى من احتياطي أراضٍ في بيت لحم؛ للاستخدام العسكري الإسرائيلي ولبناء المستوطنات؛ ما قلَّل وعلى نحو كبير المساحة المتوفرة لسكان بيت لحم الفلسطينيين.
ونتيجة لذلك، تقلَّصت إمكانيات بيت لحم من حيث التوسع السكاني والصناعي والتنمية، وكذلك إمكانية وصولها إلى الموارد الطبيعية، لقد جرى تقويض العماد الأساسي لاقتصاد محافظة بيت لحم مثل: العمل داخل الكيان، السياحة، الزراعة، رعي المواشي، والقطاع الخاص، إن استمرار هذه الإجراءات الصهيونية يعرض مستقبل التنمية الاقتصادية والاجتماعية لمحافظة بيت لحم للخطر.
ووفقًا لاتفاقات أوسلو، فقد تم َّترسيم الضفة الغربية لثلاث مناطق إدارية: (أ، ب، ج)، وما يقارب 66 % من محافظة بيت لحم مخصصة كمنطقة (ج)؛ حيث يحتفظ الكيان الصهيوني بالسيطرة الأمنية والسلطة على التخطيط والبناء، وحتى اليوم، نادرًا ما تُمنح تصاريح بالبناء الفلسطيني.
وشملت المنطقة (ج) قطع ًاواسعةً من الأراضي شرقي محافظة بيت لحم، والتي تمَّ تخصيصها كمناطق عسكرية، مناطق لإطلاق النار، ومحميات طبيعية يحظر ويقيد دخول الفلسطينيين إليها أو استخدامها.
وتحدُّ هذه القيود الإدارية على نحو كبير من التوسع السكاني والصناعي نحو الشرق والجنوب الشرقي، بالإضافة إلى ذلك، فإن معظم العقبات التي يضعها الجيش الصهيوني أمام الحركة الفلسطينية، مثل الحواجز والسواتر الترابية وغيرها ، تقع أيضا في المنطقة ج"(24).
أمَّا القدس الشريف ففي تقرير آخر للمكتب عن القدس الشرقية، نجد أن نفس نسبة الـ13% المخصصة للفلسطينيين في بيت لحم، هي نفسها المخصصة لفلسطيني القدس الشرقية، فمن بين 70.5 كم هي مساحة القدس الشرقية لا يوجد منها إلا 9.2 كم فقط مخصصة للإعمار الفلسطيني، مع العلم أن جزءًا كبيرًا من هذه المساحة مكتظ أصلاً، وحتى في هذه المناطق يواجه الفلسطينيون صعوبات من شأنها أن تحول دون إمكانية الحصول على رخص البناء اللازمة(25).
أوسلو ومزيد من التمكين للمشروع الصهيوني
لقد أسهمت أوسلو في التمكين للمشروع الصهيوني، وفي اقتلاع المزيد من الأراضي الفلسطينية، وزرع الأرض الفلسطينية بالمغتصبات والمغتصبين، ويقول عكيفا الدار تحت عنوان بالغ الدلالة "أيام أوسلو البهيحة" نقلاً عن يوسي بيلين الملقب بنبي أوسلو وأوري سفير المفاوض الصهيوني في مفاوضات أوسلو:
- "غيَّرت أوسلو كل منظومة مفاهيم المجتمع الصهيوني، فقد فعلت بها ما لم تفعله كل الحروب، بما في ذلك صدمة يوم الغفران.
- الاتفاق حسْم إستراتيجي للصهيونية؛ لضمان أن تبقى "إسرائيل" دولة يهودية وديمقراطية.
- بدون الاتفاق ما كانت الجامعة العربية تقترح في 2002م مبادرتها للسلام.
- بدونه، كان من الصعب أكثر بكثير تجنيد الأسرة الدولية للكفاح ضد إيران.
- قرَّب اتفاق أوسلو الكيان الصهيوني من تطبيعٍ ما مع بضع دول عربية، كما أن دول الخليج ما كانت لتسارع إلى السماح للكيان الصهيوني أن يفتح لديها ممثليات، ومشكوك جدًّا أن تكون الفاتيكان ستوقِّع على اتفاق لإقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع الدولة اليهودية.
- دول عديدة ومهمة- بينها تركيا واليونان- طوَّرت في حينه العلاقات مع القدس.
- سلسلة كبيرة من الشركات الدولية الكبرى التي امتنعت على مدى السنين؛ بسبب المقاطعة العربية، فتحت مكاتب لها في تل أبيب.
- سمح الاتفاق للمستوطنين (26) بدق المزيد من الأوتاد في المناطق، وارتفع عددهم من 110 آلاف في 1993م إلى نحو 300 ألف اليوم دون شرقي القدس"(27).
- "غيّر اتفاق أوسلو المنطقة، فقد مكَّن من السلام مع الأردن.
- وأنشأ عنوانًا فلسطينيًّا جديدًا.
- وأفضى إلى نماء اقتصادي لم يسبق له مثيل للكيان الصهيوني.
- وجعلنا جزءًا من المنتدى الدولي، ومكنَّنا من إقامة علاقات دبلوماسية بدول كثيرة. لقد أنشأ خريطة سياسية جديدة في إسرائيل" (28).
فهل تكرِّر السلطة الفلسطينية خطيئة أوسلو مرة أخرى؟ أم تعطي الخيار للشعب الفلسطيني؛ لينال حقوقه المشروعة من خلال المقاومة؟ وخيار المقاومة هو الذي سنتحدث عنه في المقالين القادمين- بإذن الله تعالى- من خلال رؤية الصهاينة لخطورة تحدي المقاومة وتغييره لمعادلات الصراع في المنطقة.
-------------
* الهوامش:
1- عميره هاس ، حق الانفجار غضبا ، هاآرتس ، 27/12/2007.
2- شلومو جازيت ، لا يوجد أفضل من أبي مازن ، معاريف ، 18/11/2009.
3- موشيه أرنس ، استعدوا للعبة الاتهام ، هآرتس ، 31/8/2010.
4- روني شكيد ، مسرح الدمى: مؤتمر فتح كان بمثابة مهرجان الا ان ذلك لا يغطي حقيقة انها حركة تعيش على التنفس الاصطناعي ، يديعوت ، 7/8/2009.
5- عملية الشهيدة دلال المغربي.
6- روني شكيد ، مسرح الدمى ، يديعوت ، 7/8/2009.
7-سفي بارئيل ، اسرائيل تعتبر السلام عقوبة وتتهرب منه ، هآرتس ، 16/8/2009.
8- أفي يسسخروف ، يريد عباس ويستطيع ، هآرتس ، 2/9/2010.
9- آفي يسسخروف ، السلطة تعتقل اكثر من 300 نشيط من حماس في أعقاب العملية، هآرتس ، 2/9/2010
10- جدعون ليفي ، قائد دمية ، هاآرتس ، 23/9/2007.
11- أفرايم هاليفي ، المعركة الحاسمة ، يديعوت ، 2/10/2008.
12- أوري هاينتر ، جربنا في لبنان فاحترقنا ، إسرائيل اليوم ، 28/12/2008.
13- معاريف ، في السلطة ضغطوا على اسرائيل لانهيار حماس ، 12/5/2009.
14- صالح النعامي ، وثيقة إسرائيلية: السلطة قاتلت إلى جانبنا خلال حرب غزة ، موقع الصحفي صالح النعامي ، 13/5/2009.
15- عكيفا الدار ، كيف نهزم حماس ؟ ، هاآرتس ، 14/1/2009.
16- عكيفا الدار ، تجميد ليبرمان ، هآرتس ، 20/9/2010.
17- الأنوروا ، النداء الطارئ لعام 2009 ، ص:8.
18- اللجنة الدولية للصليب الأحمر ، نكران الكرامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة ، تشرين الثاني نوفمبر 2007 ، ص:1.
19- المصدر السابق ، ص:2.
20- المصدر السابق ، ص:6،5.
21- المصدر السابق ، ص:6.
22- المصدر السابق ، ص:7.
23- المصدر السابق ، ص:8.
24- مكتب تنسيق الشئون الإنسانية OCHA ، انكماش في المساحة ، مايو 2009 ، موقع مكتب تنسيق الشئون الإنسانية.
25- مكتب تنسيق الشئون الإنسانية OCHA ، أزمة التخطيط في القدس الشرقية ، أبريل نيسان 2009 ، موقع مكتب تنسيق الشئون الإنسانية ، ص:8.
26- يعتبر يوسي بيلين وأوري سفير الاستيطان من عيوب أوسلو.
27- عكيفا الدار ، أيام أوسلو البهجية ، هآرتس ، 11/9/2009.
28- يوسي بيلين ، 16 سنة منذ اتفاقات اوسلو: ساعة ارادة نادرة ، اسرائيل اليوم ، 16/9/2009.