بالرغم من مرور 105 أيام على بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، تكشف المعطيات الميدانية الموثقة أن ملف المساعدات الإنسانية لا يزال العنوان الأبرز لفشل تنفيذ الاتفاق، في ظل قيود مشددة فرضها الاحتلال على دخول الشاحنات، وتناقض صارخ بين الأرقام المعلنة والواقع الفعلي على الأرض، ما فاقم الكارثة الإنسانية وأبقى السكان في دائرة الحرمان والعوز.

 

وبحسب التقرير اليومي لخروقات الاحتلال، فإن ما دخل فعليًا إلى قطاع غزة منذ بدء الاتفاق لا يتجاوز 43.7% من العدد المتفق عليه من الشاحنات، بمتوسط يومي لا يزيد عن 262 شاحنة، مقابل 600 شاحنة ينص عليها الاتفاق.

 

شلل القطاعات الحيوية

 

هذه الفجوة الكبيرة لا تقتصر على المساعدات الغذائية والطبية فحسب، بل تمتد إلى الوقود، الذي لم تتجاوز كمياته المدخلة 13.9% من المتفق عليه، وهو ما انعكس شللًا شبه كامل في القطاعات الحيوية، وعلى رأسها المستشفيات ومحطات المياه والصرف الصحي.

 

بعد آخر للأزمة يكمن في نوعية المساعدات والبضائع التي يسمح الاحتلال بإدخالها للقطاع على قلتها، وفي هذا الصدد يؤكد الدكتور منير البرش، المدير العام في وزارة الصحة أن الاحتلال الصهيوني يستخدم سياسة القتل البطيء في غزة، لا بالقنابل وحدها بل بعقول باردة ضمن هندسة خبيثة.

 

وأوضح أنه يتم إدخال أشياء غير نافعة وإغراق السوق بها، بينما يمنع الدواء والغذاء الحقيقي، في وقت تنتشر فيه إنفلونزا شديدة ومتحورات غير مسبوقة.

 

وأشار إلى أن المستشفيات تعج بأسر كاملة، والمخزون الدوائي يتناقص باستمرار، ما أدى إلى تفاقم سوء التغذية، وارتفاع حالات الأنيميا بين الأمهات والأطفال، مع ازدياد الولادات المبكرة، في سياسة ممنهجة تستهدف الحياة ذاتها.

تلاعب الاحتلال

التقرير يرصد تلاعبًا ممنهجًا في بيانات الاحتلال المتعلقة بحركة الشاحنات، حيث يدّعي إدخال ما يقارب 582 شاحنة يوميًا، بينما تؤكد عمليات الحصر الميداني أن الأرقام الفعلية أقل من النصف.

 

هذا التناقض، وفق التقرير، يبرز الحاجة الملحّة إلى وجود جهة دولية محايدة أو فرق ميدانية من الوسطاء للتحقق المباشر من آلية إدخال المساعدات وضمان شفافيتها.

 

خروقات يومية

 

وفي موازاة الحصار الإنساني، يواصل الاحتلال خروقاته الميدانية بوتيرة يومية، إذ وثّق التقرير 1349 خرقًا منذ بدء الاتفاق، بمعدل 13 خرقًا يوميًا، شملت القتل والإصابات والقصف ونسف المنازل وإطلاق النار وتوغلات الآليات العسكرية.

 

وأسفرت هذه الخروقات عن استشهاد 496 فلسطينيًا، غالبيتهم من المدنيين، بينهم نسبة مرتفعة من الأطفال والنساء والمسنين، إضافة إلى أكثر من 1300 مصاب، جميعهم داخل المناطق المفترض أنها مشمولة بوقف إطلاق النار.

 

ويؤكد التقرير أن استمرار القيود على المساعدات لا يمكن فصله عن هذه الخروقات، إذ يشكلان معًا مسارًا متكاملًا لإفراغ الاتفاق من مضمونه العملي، وتحويله إلى غطاء لإدامة السيطرة العسكرية والعقاب الجماعي بحق السكان.

 

كما يشير إلى أن الخروقات المتعلقة بالبنية التحتية والقطاع الصحي والمعابر، وعلى رأسها معبر رفح، ما زالت قائمة دون أي تقدم ملموس.

 

أمام هذا الواقع، يشدد التقرير على أن الوضع الإنساني في غزة لم يشهد أي تحسن حقيقي، بل يزداد تدهورًا مع كل يوم تأخير في إدخال المساعدات وفق ما نص عليه الاتفاق.

 

ويخلص إلى أن حماية المدنيين وضمان تدفق الإغاثة دون قيود لم تعد مسألة إجرائية، بل اختبارًا حقيقيًا لجدية المجتمع الدولي وقدرته على إلزام الاحتلال بتعهداته، ووقف استخدام الغذاء والدواء والوقود كسلاح إضافي في حربه المستمرة على قطاع غزة.