كشف تحقيق جديد للمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان عن وقائع استهداف جيش الاحتلال الصهيوني لعائلة مدنية في خان يونس جنوبي قطاع غزة في فبراير 2024، شملت قصف المنزل، وقتل أفراد من العائلة بنيران القنص، وعرقلة إسعاف المصابين وانتشال الجثامين ودفنها، إضافة إلى الاعتقال التعسفي لمن تبقى على قيد الحياة وما رافقه من انتهاكات جسيمة، وذلك ضمن سياق الإبادة الجماعية المتواصلة ضد السكان الفلسطينيين في قطاع غزة منذ أكتوبر 2023.
وقال المرصد الأورومتوسطي في بيان له إنّ التحقيق الذي نشره، اليوم الثلاثاء، تضمّن عملًا استقصائيًا ميدانيًا حول هجوم جوي نفّذه جيش الاحتلال على منزل عائلة "العويني" بطائرات مسيّرة ثلاث مرات على الأقل دون سابق إنذار أو تحذير، أعقبه قنص جنود صهاينة أفرادًا من العائلة في محيط مجمع "ناصر" الطبي، وتركهم ينزفون حتى الموت، مع عرقلة إسعافهم وانتشال جثامينهم ودفنها.
واعتمد إعداد التحقيق الذي استمر على مدار نحو عامين على بحث ميداني ومقابلات مباشرة أجراها باحثو المرصد الأورومتوسطي، حيث ارتكزت عملية جمع المعلومات والبيانات على إفادات الناجين من العائلة، بمن فيهم الوالدان والأشقاء، لتحديد تسلسل الأحداث منذ لحظة القصف وحتى الاعتقال. وللتحقق من المعلومات، تمت مقاطعة هذه الإفادات مع شهادات شهود عيان وكوادر طبية في مجمع “ناصر” الطبي، بمن فيهم إدارة المجمع، ومراجعة الظروف الميدانية والسجلات الطبية خلال الفترة المعنية.
وبموازاة ذلك، وظّف فريق الأورومتوسطي أدوات التحليل الجغرافي وصور الأقمار الصناعية والخرائط الطبوغرافية لتحديد الموقع الدقيق للمنزل وقياس المسافات الفاصلة عن المستشفى (التي تبين أنها لا تتجاوز 100 متر)، إضافة إلى تحليل "خطوط الرؤية" من المباني المرتفعة المجاورة للتحقق من زوايا إطلاق النار المحتملة ومقارنتها بمواقع الإصابات.
وقد غطى البحث الفترة الممتدة من وقوع الحادثة في فبراير/شباط 2024، واستمر حتى يناير 2026، وذلك لشمول إفادات المعتقلين من العائلة وتوثيقها عقب الإفراج عنهم.
وفي تفاصيل الجريمة، في حوالي الساعة 11:00 صباحًا من يوم الأحد الموافق 11 فبراير 2024، شن جيش الاحتلال هجومًا على منزل عائلة "العويني" القريب من مجمع "ناصر" الطبي في مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، حيث قصفت طائرة مسيرة المنزل بصاروخ واحد على الأقل دون أي سابق إنذار، ما أدى إلى إصابة "عبد الله إبراهيم العويني"، (29 عامًا) بجراح بالغة في بطنه.
وعندما صعد والده "إبراهيم حسن العويني" (56 عامًا) خلفه للاطمئنان عليه وتفقد ما حدث، فوجئ – على درج المبنى مفتوح السقف – بطائرة مسيرة من نوع "كواد كابتر" تُصوره من مسافة قريبة، قبل أن تستهدفه عدة مرات بمقذوفات متشظية، فأصيب بشظايا في رأسه وظهره إلى أن فقد وعيه.
على إثر ذلك، سارع الأشقاء "حسام إبراهيم العويني" (27) و"سعد إبراهيم العويني" (22 عامًا) و"حسن إبراهيم العويني” (33 عامًا) و"أنس إبراهيم العويني" (18 عامًا) لنجدة شقيقهم، فحملوه محاولين إسعافه ونقله إلى مجمع "ناصر" الطبي القريب من منزلهم. وبينما كانوا يتوجهون إلى المستشفى سيرًا على الأقدام، استهدفهم قناصة صهاينة تمركزوا فوق أسطح مبانٍ مجاورة، ما أدى إلى إصابة الشقيقين حسام وسعد بجروح خطيرة، وسقطا بالقرب من سور المجمع الطبي إلى جانب شقيقهما عبد الله، الذي كان قد أُصيب سابقًا جراء استهداف المنزل. وبحسب شاهد عيان من الجيران، حاول حسام" وسعد" الزحف بعد إصابتهما، فتعرضا لإطلاق نار القناصة مرة أخرى.
وفي حين نجا الشقيقان الآخران: حسن —الذي يعمل ممرضًا في مجمع ناصر— وأنس (الأصغر سنًا)، لم يتمكن أحد من العائلة أو من السكان المتبقين في المنطقة من الاقتراب لإنقاذ الجرحى؛ خشية أن يلقوا المصير ذاته، نظرًا لاستمرار القناصة في استهداف كل جسم متحرك في محيط المستشفى. كما حالت غزارة النيران دون تمكنهم من إسعاف والدهم أو نقله، رغم إصابته هو الآخر جراء القصف الذي طال المنزل.
في خضم تلك الأحداث، خرجت الأم "تهاني غازي مصطفى حمدان" (55 عامًا) مع زوجها المصاب "إبراهيم" وحاولت الوصول إلى المستشفى، ففوجئت بأبنائها ملقين على الأرض ومضرجين بدمائهم جراء رصاص القناصة.
وبرغم مناشدة ابنها الناجي حسن لها بالعودة إلى المنزل حفاظًا على حياتها، إلا أنها لم تقو على تركهم دون غوث؛ فعاد الابن مع والده "إبراهيم"، وسلكت هي طرقًا التفافية لتفادي النيران حتى وصلت إلى بوابة مجمع ناصر الطبي. وهناك، استهدفتها رصاصة قناص أصابت ساقها، لكن إصابتها لم تثنها عن مواصلة طريقها نحو قسم الطوارئ لطلب النجدة. غير أن حصار الجيش الإسرائيلي المطبق للمستشفى، واستهدافه لكل جسم متحرك في محيطه، حال دون تمكن الطواقم الطبية من الاستجابة؛ إذ وقفوا عاجزين عن الخروج لإسعاف الأشقاء الثلاثة، أو حتى انتشال جثامينهم بعد مقتلهم.
وفق إفادة شاهد عيان لفريق الأورومتوسطي، فإن الرصاص أُطلق مجددًا على المصابين أثناء محاولتهما الزحف، ما يوضح التعذر الفعلي للإخلاء في ظل كثافة الاستهداف في محيط المجمع.
وبعد تلقيها العلاج، لم تتمكن الأم من مغادرة المستشفى؛ إذ اضطرّت للبقاء فيه بناءً على توصية الطاقم الطبي، خشية أن تُستهدف إذا ما حاولت الخروج، فتلقى المصير ذاته الذي لقيه أبناؤها. وظلت الأم داخل المجمع لأربعة أيام، إلى أن أجبر جيش الاحتلال، بتاريخ 14 فبراير2024، جميع الموجودين في الداخل على الإخلاء القسري نحو الجنوب، تمهيدًا لاقتحام المجمع.
وخلال تلك الفترة، تُركت جثامين الأشقاء الثلاثة ملقاة في الشارع أمام سور المستشفى، دون أن يتمكن أحد من الوصول إليها لدفنها أو حتى الاقتراب منها. ولم تملك الأم سوى مراقبة جثامين أبنائها يوميًا عبر فتحة في السور، عاجزة عن فعل أي شيء، إلى أن اجتاح جيش الاحتلال المنطقة وطمس معالمها بالتدمير والتجريف.
وبعد انسحاب قوات الاحتلال من المنطقة، تكشّف مشهد مروع أمام طواقم الإسعاف والعائلات؛ إذ حالت الظروف القاهرة والقيود المشددة دون التمكن من انتشال الجثامين المتكدسة، أو تحديد هويات أصحابها، أو مواراتهم الثرى بكرامة. وتحت وطأة هذا الواقع، دُفن جثمان أحد الأشقاء من عائلة "العويني" على عجل ضمن مقبرة جماعية في حي "النمساوي" قبل أن تحظى عائلته بفرصة وداعه، مما أجبر الوالد لاحقًا على نبش موضع الدفن بنفسه للتحقق من هوية ابنه، فيما ظل مصير جثماني الشقيقين الآخرين مجهولًا بعد طمس معالم المنطقة.
ولم تقتصر الانتهاكات التي طالت هذه الأسرة على قتل الأشقاء الثلاثة وترك جثامينهم دون انتشال، بل امتدت لتستهدف من تبقى من أفرادها عبر الاعتقال والتعذيب داخل منظومة الاحتجاز الصهيونية. ففي 13 فبراير 2024، وقبيل إجبار النازحين على إخلاء المستشفى بيوم واحد، اقتحمت قوات الاحتلال منزل العائلة في محيط المجمع، واعتقلت الوالد الجريح "إبراهيم" من داخل المنزل، ومعه ابناه "حسن" و"أنس".
وبعد ثماني أيام، أفرج الاحتلال عن "أنس"، فيما أفرج عن إبراهيم بعد 36 يومًا من اعتقاله، بينما أبقى حسن رهن الاحتجاز إلى أن أُفرج عنه ضمن صفقة تبادل الأسرى والمعتقلين التي نُفذت عقب دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025.
وخلال فترات احتجازهم، ووفق إفادات الأسرة، تعرض إبراهيم وحسن وأنس للتعذيب والمعاملة اللاإنسانية، بما في ذلك الاعتداءات الجسدية العنيفة، والتجويع، والحرمان من النوم، والعزل، ومنع الاتصال بالعالم الخارجي.
ووفق إفادات الأسرة، تعرّض الوالد إبراهيم لتعذيب أدى إلى كسر في ساقه، في مؤشر بالغ الخطورة على مستوى العنف الممارس داخل أماكن الاحتجاز وعلى ما خلّفه من أذى بدني جسيم. وقد أمضى حسن نحو 20 شهرًا في السجون ومراكز الاحتجاز العسكرية الصهيونية دون توجيه تهمة أو عرضه على محاكمة، في سياق احتجاز تعسفي يفتقر إلى الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة.
وأُفرج لاحقًا عن كل أفراد العائلة المعتقلين دون توجيه أي تهم أو عرضهم على محاكمة، الأمر الذي ينفي وجود اشتباه معقول يبرر اعتقالهم، ويؤكد أن استهداف منزلهم وملاحقتهم في المقام الأول لم يكن قائمًا على مبرر قانوني أو ضرورة عسكرية محددة.
وأظهرت نتائج التحقيق أن المنزل المستهدف كان مرفقًا مدنيًّا بحتًا، خاليًا تمامًا من أي مظاهر عسكرية أو أهداف مشروعة يمكن أن تبرر الاستهداف بموجب "الضرورة العسكرية" المنصوص عليه في المادتين (51) و(52) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف (1977).
وبناءً عليه، يغيب أي أساس ظاهر يبرر استهدافهم بالقتل أو الاعتقال، أو قصف منزلهم دون أي إنذار مسبق أو تدابير احترازية.
وفي ضوء ذلك، خلص المرصد الأورومتوسطي إلى أن ما جرى يندرج ضمن نمط أوسع تتبعه قوات الاحتلال عند اجتياحها أو بسط سيطرتها على مناطق بعينها، يقوم على تحويلها فعليًا إلى "مناطق قتل"، بحيث يُعامل كل من يتواجد داخلها بوصفه هدفًا مفترضًا، ويُواجه بالقتل أو الإصابة أو الاعتقال.
وخلص التحقيق إلى أن جريمة استهداف عائلة "العويني"، عند قراءتها في سياقها المباشر ضمن حصار مجمع “ناصر” الطبي، وبعد استعراض الوقائع المادية، تُشكل نموذجًا تطبيقيًا مكثفًا للأركان المادية والمعنوية المكونة لجريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة؛ إذ تتضافر في هذه الواقعة مؤشرات قاطعة على توافر الأنماط السلوكية المحظورة بموجب المادة الثانية من اتفاقية منع الإبادة الجماعية، بدءًا من القتل العمد لأفراد جماعة محمية، مرورًا بإلحاق الأذى البدني والنفسي الجسيم بهم، ووصولاً إلى إخضاعهم عمداً لظروف معيشية يراد بها إهلاكهم الفعلي.
وطالب المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية باعتماد ملف عائلة "العويني" بوصفه "حالة نموذجية كاشفة"؛ إذ يجمع هذا الملف في طياته كل العناصر المادية المكونة لجريمة الإبادة الجماعية، بدءًا من القتل العمد، والاستهداف الجوي الواسع النطاق والمنهجي للأعيان المدنية، بما فيها الطبية، والقتل واستهداف المدنيين، وصولاً إلى الحصار، والتجويع، والتعذيب، ومنع الدفن اللائق.
كما دعا المرصد الأورومتوسطي لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة والمقرر الخاص المعني بالتعذيب إلى تكثيف التوثيق والتحقق بشأن نمط الانتهاكات الجسيمة التي يتعرض لها الأسرى والمعتقلون الفلسطينيون، ولا سيما المعتقلون من قطاع غزة، داخل السجون ومراكز الاعتقال الصهيونية.
وطالب الأورومتوسطي بممارسة ضغط فعّال لتمكين فرق دولية مستقلة في الطب الشرعي من الدخول العاجل إلى قطاع غزة والوصول إلى جميع مواقع الدفن، بما في ذلك المقابر الجماعية ومواقع الدفن الاضطراري، لإجراء تحقيق مهني شامل يتضمن توثيق ملابسات الدفن واستخراج الرفات عند اللزوم، وتحديد هويات الضحايا وأسباب الوفاة قدر الإمكان، وضمان سلسلة حيازة قانونية للأدلة، بما يكفل حقوق العائلات ويحول دون طمس معالم الجريمة أو العبث بالأدلة.
كما طالب الأورومتوسطي المجتمع الدولي بفرض عقوبات شاملة وفورية على الاحتلال، تشمل حظراً كاملاً لتصدير الأسلحة والذخائر وتقنيات المراقبة، وتحديدًا الطائرات المسيرة (من أنواع كواد كابتر وهيرميس) وبنادق القنص الدقيقة، التي ثبُت استخدامها بشكل منهجي في تصفية عائلة العويني والمدنيين في قطاع غزة.
ودعا الأورومتوسطي إلى فرض عقوبات فردية موجهة، تشمل تجميد الأصول وحظر السفر، ضد القادة العسكريين والسياسيين الصهاينة المتورطين في إصدار أوامر وتنفيذ الجرائم ضد الفلسطينيين، ومقاطعة الشركات التجارية والتكنولوجية التي يثبت تورطها في تزويد جيش الاحتلال بالأدوات المستخدمة في ارتكاب هذه الجرائم، تأكيداً على أن الدعم العسكري والاقتصادي في ظل هذه الفظائع يُعد شكلاً من أشكال الاشتراك الجرمي الذي يستوجب المساءلة.
وحث المرصد الأورومتوسطي جميع الدول الأطراف في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية على التدخل رسميًا والانضمام إلى الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد الاحتلال الصهيوني أمام محكمة العدل الدولية، لما في ذلك تفعيلاً عمليًا لالتزام الدول بواجب منع الإبادة الجماعية، وأداةً فاعلة لحماية النظام القانوني الدولي من التآكل. كما أن اتساع دائرة التدخل الدولي يسهم جوهرياً في توجيه التفسير القضائي للمحكمة نحو تكييف الأفعال، كالحصار واستهداف المستشفيات، ضمن جرائم الإبادة الجماعية، ويفند السرديات التي تحاول تبرير هذه الفظائع بذريعة “الدفاع عن النفس”.
كما حث المرصد الأورومتوسطي الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف على تفعيل التزاماتها باستخدام الولاية القضائية العالمية في محاكمها الوطنية لملاحقة المتورطين في هذه الانتهاكات، خاصة حملة الجنسيات المزدوجة.
وأخيرًا، طالب المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان بتبنّي آليات دولية شاملة وملزمة لضمان جبر الضرر لضحايا الجرائم المرتكبة في قطاع غزة، بوصفه حقًا أصيلًا غير قابل للتصرف، يشمل الحق في الحقيقة والمعرفة، والاعتراف بالانتهاكات، وضمانات عدم التكرار، فضلًا عن حق الضحايا في الانتصاف الفعّال وإعادة التأهيل الطبي والنفسي والاجتماعي، والتعويض العادل عن الخسائر المادية والمعنوية، بما في ذلك فقدان الأحبة، وتدمير المساكن وسبل العيش، والإصابات والإعاقات، والأذى النفسي الممتد، مع إيلاء عناية خاصة للأطفال والنساء وذوي الإعاقة والناجين من التعذيب والعنف الجنسي.