تحولت بلدة قصرة، جنوب مدينة نابلس، إلى واحدة من أكثر المناطق استهدافًا باعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية، بعد تصاعد الهجمات التي تطال السكان وممتلكاتهم بشكل شبه يومي، في وقت تجاوزت فيه تداعيات ما يجري حدود الميدان، لتصل إلى أروقة الإدارة الأمريكية التي أبدت قلقًا متزايدًا من تصاعد عنف المستوطنين وانعكاساته على صورة الاحتلال.

وحاول عشرات الناشطين الفلسطينيين والأجانب، الجمعة، كسر حصار يفرضه مستوطنون منذ أيام على 3 منازل فلسطينية في بلدة قصرة شمالي الضفة الغربية المحتلة، وإيصال الماء والطعام والأدوية إليها، لكن قوات الاحتلال منعتهم من الوصول إلى المنازل.

ووصل المتضامنون إلى منطقة رأس العين على أطراف قصرة جنوب مدينة نابلس، حيث تحاصر مليشيات المستوطنين المنازل الثلاثة منذ الأحد، إلا أن القوات المحتلة أوقفتهم بدعوى أن المنطقة "عسكرية مغلقة".

ومنذ 9 أغسطس الجاري، أغلق مستوطنون مداخل المنازل وأقاموا خيمة بينها، بعد قطع المياه والكهرباء عنها، ما أدى إلى حصار 3 عائلات تضم نحو 15 فلسطينيا بينهم طفلان، بحسب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

وقال المكتب الأممي إن قوات صهيونية كانت موجودة في المكان لم تتدخل بداية لإنهاء الحصار، بل منعت مسعفين ومتضامنين وصحفيين من الوصول إلى العائلات، قبل أن يفكك جنود خيمة للمستوطنين الأربعاء، فيما بقي مستوطنون حول المنازل في اليوم التالي.

ويقول رئيس بلدية قصرة عبد العظيم الوادي إن ما يجري في البلدة هو جزء من سياسة منظمة تنفذها مجموعات استيطانية تعمل بتنسيق كامل مع جيش الاحتلال.

وأضاف: "المستوطنون هم جنود في الجيش، يأتون أحيانًا بلباس مدني وأحيانًا بلباس عسكري للاعتداء على سكان البلدة”، التي يبلغ عدد سكانها نحو 7500 مواطن".

16 بؤرة جديدة وحرب على المزارعين

وأوضح الوادي أن سلطات الاحتلال أقامت على أراضي قصرة والقرى المجاورة مستوطنات عدة، أبرزها "مجدوليم" و"كيدا" و"إحيا" و"ييش كوديش"، مشيرًا إلى أن المستوطنين استغلوا الحرب على قطاع غزة لإقامة 16 بؤرة استيطانية جديدة في محيط هذه القرى، ما أدى إلى تضييق الخناق على الفلسطينيين ومصادرة المزيد من الأراضي.

وأضاف أن المستوطنين يشنون غارات شبه يومية على قصرة والقرى المجاورة، تشمل سرقة المواشي، والاعتداء بالضرب على المزارعين، وطردهم من أراضيهم الزراعية، في محاولة لفرض واقع جديد يخدم التوسع الاستيطاني.

وبالتزامن مع حصار العائلات، شنت قوان الاحتلال، الخميس، عملية واسعة في قصرة. وأوضح الوادي إن قوات الاحتلال سيطرت على 16 منزلا في البلدة ومحيطها وحولتها إلى مواقع وثكنات عسكرية، وأبلغت المجلس بأن العملية ستستمر حتى صباح الأحد.

وأضاف الوادي أن القوات أجبرت سكان عدد من المنازل على مغادرتها، قبل أن تنسحب من داخل البلدة فجر الجمعة، مع استمرار وجود قوات في محيطها وتنفيذ دوريات بين حين وآخر.

وتقول الأمم المتحدة إن البؤرة الاستيطانية التي ينطلق منها مستوطنون نحو منطقة رأس العين أقيمت قرب قصرة في نوفمبر 2025، وإن الأشهر التالية شهدت تصاعدا في اقتحام المنازل والاعتداءات الجسدية والتخريب والسرقة والحرق، بما في ذلك استهداف مسجد.

مجزرة منذ الأيام الأولى للحرب

وبحسب رئيس البلدية، فقد أعلن المستوطنون "الحرب" على قصرة منذ الأيام الأولى لحرب الإبادة على غزة في أكتوبر 2023، حيث تصاعدت الاعتداءات بصورة غير مسبوقة، وفي اليوم السادس للحرب ارتكبوا هجومًا دامياً أسفر عن مقتل ستة فلسطينيين من سكان البلدة.

ولا تقتصر الاعتداءات على قصرة، بل تمتد إلى قرى مادما وبيتا وبورين وتلفيت، ضمن نمط متكرر يستهدف تفريغ الأراضي الفلسطينية من سكانها، وفرض وقائع ميدانية جديدة عبر توسيع المستوطنات والبؤر الاستيطانية.

توسع استيطاني غير مسبوق

وتشير بيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى أنه منذ أكتوبر 2023 أُقيمت نحو 200 بؤرة استيطانية جديدة في الضفة الغربية، في مؤشر على تسارع غير مسبوق في الاستيطان، بالتزامن مع تصاعد هجمات المستوطنين بحق الفلسطينيين.

وفي المقابل، امتدت تداعيات أحداث قصرة إلى الولايات المتحدة، حيث باتت صور الاعتداءات محل متابعة داخل الإدارة الأمريكية.

وقال المؤرخ المتخصص في السياسة الأمريكية كوبي باردا إن هذه الأحداث ألحقت ضررًا بصورة الاحتلال داخل واشنطن، مشيرًا إلى أن نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس سبق أن أبدى استياءه من تعامل الاحتلال مع اعتداءات مشابهة، وأن استمرارها يقوض الثقة بحكومة الاحتلال.

وأضاف باردا أن وسائل الإعلام الأمريكية تنقل أحداث قصرة على مدار الساعة، الأمر الذي يعزز الانطباع داخل الولايات المتحدة بغياب سيادة القانون في الضفة الغربية، بينما تتزايد الانتقادات لصمت رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو تجاه تصاعد عنف المستوطنين.

صمود في مواجهة التهجير

وبرغم الاعتداءات المستمرة، يؤكد أهالي قصرة تمسكهم بأرضهم ورفضهم محاولات التهجير، معتبرين أن البقاء في القرى وزراعة الأرض وإعادة إعمار ما يدمره المستوطنون يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة المشروع الاستيطاني، في معركة لم تعد تقتصر على قرية صغيرة جنوب نابلس، بل أصبحت عنوانًا للصراع على الأرض والهوية ومستقبل الضفة الغربية.