لم يكن الشارع المغربي يحتاج إلى موسم انتخابي جديد كي تعود فلسطين إلى واجهة النقاش العام فمنذ اندلاع حرب الإبادة على غزة، ظلت الوقفات والمسيرات المناهضة للتطبيع حاضرة في عدد من المدن، فيما واصلت أحزاب وهيئات مدنية تضمين القضية الفلسطينية في خطابها السياسي، بدرجات متفاوتة.

لكن إعلان المغرب والاحتلال، في 16 سبتمبر الجاري، الاتفاق على رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي بينهما من مكاتب اتصال إلى سفارتين وتبادل السفراء، جاء قبل أسبوع واحد من توجه المغاربة إلى صناديق الاقتراع في الانتخابات التشريعية المقررة في 23 من الشهر الجاري.

وتقاطعت ثلاثة مسارات في الأيام الأخيرة التي تسبق الانتخابات: مسار دبلوماسي يتجه نحو توسيع العلاقة مع الاحتلال، ومسار انتخابي تبحث فيه الأحزاب عن القضايا القادرة على مخاطبة الناخبين، ثم مسار شعبي مستمر في الشارع يطالب بإسقاط التطبيع.

فكيف حضرت فلسطين في خطاب الأحزاب والمرشحين خلال الأيام الأخيرة من الحملة؟ وهل تحول "التطبيع" إلى قضية انتخابية فعلية، أم ظل ملفا حاضرا في بيانات بعض القوى السياسية وخارج أجندة قوى أخرى؟ وأين يقف الشارع بين المسارين الرسمي والانتخابي؟.

من مكاتب الاتصال إلى السفارات.. ماذا تغير؟

في نيويورك، ضم اجتماع ثلاثي في 16 سبتمبر وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، ونظيره الصهيوني جدعون ساعر، والسفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز.

فيما أعلن الاحتلال عقب الاجتماع الاتفاق على رفع مستوى البعثتين الدبلوماسيتين إلى مستوى سفارتين وتعيين سفيرين، إلى جانب توسيع الرحلات الجوية المباشرة وتنظيم زيارات رفيعة المستوى والعمل على استكمال اتفاقيتين تتعلقان بحماية الاستثمارات ومنع الازدواج الضريبي قبل نهاية عام 2026.

تجدر الإشارة إلى أن الخطوة لا تعني بداية العلاقات المغربية  مع الكيان الصهيوني، إذ جرة استئناف العلاقات الدبلوماسية بين الطرفين في ديسمبر 2020، وافتتح مكتب الاتصال الصهيوني في الرباط في العام التالي. الجديد هو الانتقال من صيغة التمثيل المحدود إلى تمثيل دبلوماسي كامل، بما يرافقه من رفع مستوى التواصل الرسمي وتعيين سفراء وتوسيع الملفات التي يجري تدبيرها بين الطرفين.

وفي اليوم التالي للإعلان، جاء الدفاع الرسمي عن هذا المسار على لسان بوريطة. ففي مقابلة مع قناة "فوكس نيوز"، قال وزير الخارجية المغربي إن: استمرار العلاقات مع الكيان الصهيوني يتيح للمغرب وسائل عملية لمساعدة الفلسطينيين، مستحضرا العملية التي تمكنت المملكة خلالها من إيصال نحو 40 طنا من المساعدات الإنسانية إلى شمال قطاع غزة في مارس 2024.

وقال بوريطة إن: السؤال يتمثل في الاختيار بين الاستمرار في الخطاب والمواقف السياسية، وبين اتخاذ مبادرات عملية، مضيفا أن المغرب "لا يتفق مع إسرائيل بنسبة 100 في المائة"، وأن لكل طرف سياسته.

وأوضح الوزير المغربي أن السؤال المطروح يتمثل في الاختيار بين "الاستمرار في الخطاب والمواقف السياسية، بينما نجلس في مدننا وعواصمنا، أو اتخاذ مبادرات"، مؤكدا أن المغرب يتحرك انطلاقا من "روح اتفاقات أبراهام" بهدف تعزيز السلام والاستقرار في المنطقة.

في المقابل، لم تنظر القوى المناهضة للتطبيع إلى الخطوة باعتبارها مجرد "ترقية بروتوكولية". مجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين أعلنت رفضها رفع مستوى التمثيل إلى السفارات، وجددت مطلب قطع العلاقات، فيما دعت الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع إلى احتجاجات خلال أيام 25 و26 و27 من الشهر الجاري، أي بعد يومين من موعد الاقتراع. ليدخل بذلك ملف التطبيع إلى قلب النقاش السياسي في أكثر لحظات الحملة الانتخابية حساسية.

 

العدالة والتنمية يرفض التطبيع

حزب العدالة والتنمية كان من أوائل الأحزاب التي أصدرت موقفا عقب التطور الدبلوماسي. ففي اجتماع عاجل واستثنائي عقدته أمانته العامة عن بعد صباح 17 سبتمبر، جدد الحزب موقفه الرافض لكل أشكال التطبيع والعلاقات والاتفاقيات مع الصهاينة، مؤكدا أن هذا الموقف "ثابت وراسخ" وأنه وارد أيضا في برنامجه الانتخابي.

وفي تدوينة له على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" كتب عضو المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية، حسن حمورو: "إن موقفنا يقوم على أن رفض التطبيع مع إسرائيل يظل موقفا مبدئيا مرتبطا بمساندة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، و يستند إلى الاجماع الوطني حول هاته القضية".

وأضاف: "كما نعبر عن قلقنا من التداعيات المحتملة لأي توسيع لمسار التطبيع على النسيج الوطني والتلاحم المجتمعي، وعلى العلاقة القائمة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، خصوصا عندما تتباين المواقف الرسمية في هذا الملف مع المواقف المعلنة لقطاعات واسعة من المجتمع المغربي وقواه الحية"، مردفا: "إن تعزيز الثقة في مؤسسات الدولة يقتضي وضوحا في تدبير القضايا ذات الحساسية الوطنية والمجتمعية الكبرى، وفتح المجال للنقاش العمومي المسئول حول آثار القرارات التي تمس علاقة المغرب بالقضية الفلسطينية وبمحيطه العربي والإسلامي".

وختم تدوينته بالقول: "كما نؤكد أن دعم القضية الفلسطينية ومناهضة التطبيع ليسا موقفا ظرفيا مرتبطا باحداث معينة أو بتطور سياسي مستجد، بل هو من المواقف التي نجدد التأكيد عليها في كل مبادراتنا ومؤتمراتنا".

اليسار.. رفض الانتقال إلى مستوى السفارات

في الجهة المقابلة، اختار تحالف اليسار، الذي يضم الحزب الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار الديمقراطي، صياغة أكثر حدة في التعامل مع التطور الجديد. فقد أعلن رفضه الانتقال إلى مستوى السفارات وتبادل السفراء، وربط موقفه بمسار أوسع يرفض مختلف أشكال التعاون مع الاحتلال.

وبحسب بلاغ التحالف فإنه يقدم التطبيع باعتباره قضية سياسية وانتخابية في الوقت نفسه، ويربط الدفاع عن القضية الفلسطينية بموقفه من السيادة الوطنية ومن تدبير العلاقات الخارجية.

واعتبر تحالف اليسار في البيان نفسه أن: "هذه الخطوة انخراطا متزايدا في مسار التطبيع مع كيان إرهاب واحتلال واستيطان وإبادة، في لحظة تاريخية تتكشف فيها أمام العالم فظاعة الجرائم المرتكبة بحق الشعبين الفلسطيني واللبناني، وتتضح صورته الإرهابية، وتُلاحَق قياداته من قِبل المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية".

وتابع: "ففي الوقت الذي يواصل فيه الاحتلال حربه المدمرة على غزة، وتصعيد الاستيطان والتهجير في الضفة الغربية، والاعتداء على القدس ومقدساتها، وتوسيع عدوانه على لبنان وتدمير مناطقه الجنوبية؛ وفي الوقت الذي تتعالى فيه أصوات الشعوب الحرة والقوى الحية عبر العالم من أجل عزل هذا الكيان ومحاكمة قادته الذين ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية؛ يتم الإمعان في مسار التطبيع ومنحه أشكالا أقوى من الشرعية والاعتراف".

"إن تحالف اليسار، إذ يجدد رفضه ومناهضته المبدئية والأخلاقية والسياسية لأي شكل من أشكال التطبيع مع الكيان الاستعماري، سواء عبر السفارات، أو مكاتب الاتصال، أو الاتفاقيات الثنائية والشراكات السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية والإعلامية، يشدد على أن التطبيع لم يكن يوما ولن يكون خيارا للسلام، بل هو غطاء لتبييض جرائم الاحتلال المستمرة، وتشجيع لسياسة الإبادة والتدمير والتهجير التي ينهجها اليمين الصهيوني" وفقا للبيان نفسه.

وأردف: "كما يؤكد التحالف أن قضية وحدتنا الترابية قضية وطنية عادلة لا تقبل المساومة ولا المقايضة، وأن الدفاع عنها لا يمكن أن يكون مدخلا لتبرير التطبيع أو منح الشرعية لكيان يقوم على الاحتلال والاستيطان".

أيضا، يحضر الملف في مواقف شخصيات يسارية خلال الحملة، ومن بينها نبيلة منيب، التي ظلت القضية الفلسطينية ومناهضة التطبيع جزءا من خطابها السياسي خلال السنوات الماضية.

الشارع يتحرك خارج صناديق الاقتراع

في الوقت الذي تتنافس فيه الأحزاب على المقاعد، تتحرك في الشارع قوى لا تخوض الانتخابات أصلا. فمنذ إعلان رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي، صدرت دعوات جديدة إلى الاحتجاج، فيما استمرت الهيئات المناهضة للتطبيع في تنظيم الوقفات والمسيرات في مدن مغربية مختلفة.

وقالت مجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين، في بيان إن: "توقيت هذه الخطوة يكتسي خطورة خاصة ويدفع إلى التساؤل عما إذا كان في المغرب يوجد من يعمل على دعم الجرائم الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني"، مبرزة أن: "هذه الخطوة تأتي في ظل استمرار المأساة الإنسانية وحرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة، وفي وقت ما تزال فيه الانتهاكات الجسيمة بحق الشعب الفلسطيني موضع تقارير وتحقيقات وإدانات دولية".

ودعت المجموعة ما وصفته بـ"مختلف القوى السياسية والنقابية والحقوقية والمدنية إلى تحمل مسؤوليتها في هذا الظرف الحساس والعمل المشترك والوحدوي من أجل تحصين البلاد من مخاطر الاختراق الصهيوني ومناهضة التطبيع ومواصلة العمل من أجل حماية حقوق الشعب الفلسطيني ودعم الجهود الرامية إلى إنهاء معاناته".

وأضافت بأن "قضية وحدتنا الترابية ليست للمقايضة، وهي محل إجماع والتفاف كل مكونات النسيج الوطني، وأن استعمالها من طرف الإدارة الأمريكية والعدو الصهيوني يسيء لعقود من التضحيات الجسام التي قدمها الشعب المغربي من أجل استكمال التحرير الكامل لأقاليمه الجنوبية"، مشيرة إلى أن "هذه الخطوة تشكل إهانة للشعب المغربي وإيحاء بأنه ليس في مستوى تحرير كامل ترابه والحفاظ على وحدة وطنه".

وهذه الحركة الاحتجاجية، لم تبدأ مع الانتخابات ولا تنتهي معها منذ اندلاع الحرب على غزة، وظل التطبيع أحد الملفات الرئيسية في الاحتجاجات المرتبطة بالقضية الفلسطينية في المغرب، إلى جانب المطالبة بوقف الحرب ودعم الفلسطينيين.

المفارقة أن الانتخابات تمنح الأحزاب فرصة لتحويل هذا الملف إلى قضية انتخابية، فيما يبقى الشارع قادرا على الاحتجاج خارج المؤسسات المنتخبة. وبين المسارين تبرز فجوة: الشارع يرفع مطلبا واضحا يتعلق بإلغاء التطبيع، بينما تتفاوت الأحزاب في طريقة إدراج هذا المطلب ضمن برامجها وخطابها الانتخابي.

ولفهم هذه الفجوة، تقدم استطلاعات الرأي مؤشرا مهما فقد أظهر استطلاع للباروميتر العربي أن تأييد التطبيع في المغرب تراجع من 31 في المائة سنة 2022 إلى 13 في المائة في استطلاعات 2023-2024، التي أجريت بعد اندلاع الحرب على غزة.

وفي مؤشر الرأي العربي لعام 2025، عارض 89 في المائة من المغاربة المشاركين في الاستطلاع اعتراف بلدهم بإسرائيل، مقابل 6 في المائة أيدوا ذلك. وهذه الأرقام لا تعني تلقائيا أن جميع الرافضين للتطبيع يتبنون الموقف السياسي نفسه أو أنهم سيصوتون للأحزاب المناهضة له، لكنها تكشف وجود فجوة واضحة بين تطور العلاقات الرسمية وبين اتجاهات الرأي العام التي تقيسها هذه الاستطلاعات.

وبذلك، حضرت فلسطين في المشهد الانتخابي المغربي على أكثر من مستوى: في مواقف أحزاب جعلت رفض التطبيع جزءا معلنا من خطابها، وفي بيانات سياسية صدرت عقب رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي، وفي احتجاجات استمرت منذ اندلاع الحرب على غزة.