دخلت الانتخابات البرلمانية الروسية، التي وصفها الرئيس فلاديمير بوتين بأنها اختبار للدعم للحرب في أوكرانيا، يومها الثالث والنهائي اليوم الأحد، ومن المرجح أن يحتفظ حزب "روسيا الموحدة" الحاكم بهيمنته في نظام سياسي مستقر منذ عام 2003.
يُعد هذا التصويت البرلماني الأول لروسيا منذ شن هجومها على أوكرانيا في عام 2022، وعلى الرغم من أنه من غير المرجح أن تقدم النتائج الكثير من المفاجآت، إلا أنها قد تقدم أدلة على تغير الرأي العام تجاه الحرب.
وجرى منع معظم المناهضين للحرب من الترشح، حيث استُبعد حزب "يابلوكو"، وهو حزب ليبرالي دعا إلى إنهاء القتال، من خوض الانتخابات بقائمته الفيدرالية من قبل المحكمة العليا الروسية، على الرغم من أن مرشحيه ما زالوا مدرجين على بطاقات الاقتراع في بعض الدوائر الانتخابية.
ومع دخول عملية التصويت يومها الأخير، قال رئيس اللجنة الانتخابية الروسية إن هناك موجة من الهجمات الإلكترونية استهدفت البنية التحتية للانتخابات، وأكد أن الهجمات يبدو أنها نُفذت من قبل "مجموعات محترفة للغاية ومنسقة بشكل جيد باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي".
بموازاة ذلك، تترقب أوروبا بقلق نتائج "الانتخابات" البرلمانية في روسيا، حيث تشير تقارير استخباراتية إلى استعداد الرئيس بوتين لتصعيد حربه في أوكرانيا وتكثيف الهجمات الهجينة ضد حلفاء كييف في أوروبا.
ووفق تقرير لصحيفة "تليجراف"، قال مسئولون في أجهزة استخبارات غربية إن القيادة الروسية تعمل على تهيئة الظروف الإدارية اللازمة لما وصفوه بـ"التعبئة الخفية"، والتي قد تتيح تجنيد آلاف الروس الجدد في القوات المسلحة.
وأكد مصدر استخباراتي للصحيفة قائلاً: "ما نراه هو استعدادات إدارية لجعل تنفيذ ذلك ممكناً، إذا اتُخذ القرار". وفي الوقت نفسه، حذر قادة أوروبيون من احتمال تصاعد ما وصفوه بالحرب الهجينة التي يشنها الكرملين ضد الغرب.
ليس لشك حقيقي في هوية الفائزين، بل خوفاً مما قد يترتب عليها. وتشير تقديرات مصادر استخبارية غربية إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يمهد الطريق لتصعيد إضافي في الحرب الأوكرانية، بالتزامن مع توسيع نطاق النشاط الروسي ضد الدول الأوروبية عبر الهجمات الإلكترونية والتخريب واستخدام الطائرات المسيرة وغيرها من الأعمال التي لا تصل إلى حد المواجهة العسكرية المباشرة.
ووفقاً لصحيفة "التليجراف" البريطانية، رصدت مصادر استخبارية غربية تكثيف موسكو بالفعل ما يُعرف في الغرب بـ"التجنيد الخفي"، أي توسيع نطاق تجنيد الجنود المتعاقدين وتحديد الفئات السكانية التي يمكن الضغط عليها للتجنيد.
وصرح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الشهر الماضي بأن تقديرات الاستخبارات في كييف تشير إلى أن روسيا تخطط لتجنيد 300 ألف شخص إضافي بعد انتخابات سبتمبر.
وفي وقت لاحق، نشرت أجهزة الاستخبارات الأوكرانية تقديراً يفيد بأن هيئة الأركان العامة الروسية أعدت سيناريو لتجنيد 300 ألف شخص هذا العام، ومثلهم في عام 2027.
في المقابل، نفى الكرملين اتخاذ أي قرار بشأن موجة تجنيد جديدة، وزعم بوتين نفسه أنه "لا يوجد حالياً أي سيناريو يستدعي التجنيد".
إلا أن القلق وصل إلى النخبة الروسية أيضاً، فوفقاً لوكالة "بلومبيرج"، حاول مسئولون روس كبار وموظفون في وكالات التجنيد خلال الأشهر الأخيرة فتح حسابات مصرفية في الخارج وتحويل أصول إليها، وسط شائعات عن عمليات تجنيد إضافية.
وذكرت صحيفة "التليجراف"، نقلاً عن مصادر استخباراتية، أن التصعيد المخطط له ينبع -من بين أمور أخرى- من حالة الجمود النسبي على الجبهة والخسائر الفادحة التي يتكبدها الجيش الروسي.
وقدّرت المصادر نفسها عدد الضحايا الروس بنحو 1.5 مليون، منهم نحو نصف مليون قتيل، وهي أرقام لا يمكن التحقق منها بشكل مستقل، وتتجاوز بعض التقديرات الغربية الأخرى.
كما يكمن القلق في أوروبا في أن هذه القوة البشرية الإضافية لن تُوجّه بالضرورة إلى الجبهة في أوكرانيا فحسب، بل قد تسمح أيضاً لروسيا بتوسيع قواتها وقواعدها على طول حدودها الغربية مع دول حلف شمال الأطلسي (الناتو).
يمتد القلق أيضاً إلى إحدى أكثر المناطق حساسية على الجناح الشرقي لحلف الناتو: ممر سوفالكي، الشريط الأرضي الواقع بين بولندا وليتوانيا، والذي يفصل بيلاروسيا عن جيب كالينينجراد الروسي، ويشكل الصلة البرية الوحيدة لدول البلطيق ببقية دول الحلف.
وأحد بوادر التصعيد هو بدء بيلاروسيا هذا الأسبوع مناورة عسكرية لمدة أربعة أيام بالقرب من حدود بولندا وليتوانيا، بمشاركة قوات ميكانيكية ودبابات، وفي سيناريوهات تشمل الدفاع عن الحدود وحرب الطائرات المسيرة.
لم تُنشر أي معلومات في الغرب تفيد بأن موسكو ومينسك قد قررتا محاولة السيطرة على الممر، لكن هذا السيناريو نوقش علناً، حيث سُئلت الحكومة البريطانية هذا الأسبوع في البرلمان عما إذا كانت مستعدة لحالة تحاول فيها بيلاروسيا وكالينينجراد "إغلاق ممر سوفالكي"، فأجابت بأن بريطانيا توفر أيضاً قوات عالية التأهب لحلف الناتو يمكن نشرها كجزء من خطط الدفاع الخاصة بالحلف.
في الوقت نفسه، شدد حلف شمال الأطلسي (الناتو) متطلبات التأهب المدني للدول الأعضاء هذا الأسبوع. ففي وثيقة محدثة نُشرت يوم الثلاثاء، يُطلب من الدول الاستعداد، من بين أمور أخرى، لهجوم مادي أو تخريب للبنية التحتية الحيوية، وهجمات إلكترونية، وإجلاء السكان، والحفاظ على إمدادات الغذاء والماء والطاقة والنقل حتى أثناء الأزمات أو النزاعات.
وأوضح الحلف أن هذا التحديث ضروري في ضوء التدهور المستمر في البيئة الأمنية. ويُعد هذا استعداداً في إطار المادة 3 من ميثاق الناتو، التي تتناول مرونة الدول الأعضاء وقدرتها الدفاعية، وليس مؤشراً على تفعيل المادة 5 - الدفاع الجماعي في حالة وقوع هجوم.
بدأت هذه التحذيرات تُترجم بالفعل إلى خطوات عملية على أرض الواقع. فقد عقد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أمس اجتماعاً مطولاً استمر لساعات مع قادة الأحزاب في بلاده، بحضور كبار مسؤولي الاستخبارات والأمن. وأعلن بعد ذلك أنه أمر الحكومة بوضع خطة لحماية البنية التحتية الحيوية ومنشآت الصناعات الدفاعية الحساسة من الطائرات المسيّرة والهجمات الإلكترونية.
وفي وقت لاحق، وصف غيوم لاكروا، زعيم حزب اليسار الراديكالي، وأحد المشاركين في الاجتماع بقصر الإليزيه، مدى خطورة الإحاطات التي تلقاها السياسيون. وقال إنه بعد ما يقرب من ثلاث ساعات من المناقشات مع الرئيس وأجهزة الأمن، غادر وهو يشعر "بالدوار"، نظراً لخطورة الوضع في أوكرانيا والشرق الأوسط والمخاطر التي تواجه فرنسا.
يبرز هذا التأهب بشكل خاص في بولندا، حيث تم تفعيل الطيران العسكري صباح اليوم عقب الهجمات الروسية في أوكرانيا. أعلن الجيش البولندي عن بدء "عمليات وقائية" لحماية المجال الجوي للبلاد، وفي الوقت نفسه، تم وضع أنظمة الدفاع الجوي الأرضية وأنظمة الرادار في حالة تأهب.
وأعلن الجيش لاحقاً انتهاء العمليات وعدم رصد أي اختراق للمجال الجوي البولندي. ويأتي هذا التأهب بعد يومين فقط من حدث مماثل: ففي يوم الخميس، وخلال موجة من الهجمات الروسية واسعة النطاق في أوكرانيا، استنفرت بولندا طائرات مقاتلة وطائرات من حلفائها، وأُغلقت مطارات جيشوف ولوبلين مؤقتاً.
في أعقاب أحداث يوم الخميس، أعلنت وارسو أنها كثّفت نشاط طائرات إف-16 والمروحيات، وعزّزت أنظمة الدفاع الجوي والاستجابة السريعة، بل ومنحت قواتها إذناً مسبقاً لإسقاط طائرة مسيّرة عبرت الحدود. ويأتي هذا بعد استهداف أهداف أوكرانية على بُعد كيلومترات قليلة من بولندا في الأيام الأخيرة، بما في ذلك قطار ركاب قرب الحدود.
أما رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك، فقد ذهب إلى أبعد من ذلك، محذراً من أن روسيا، استناداً إلى معلومات استخباراتية بحوزة وارسو وحلفائها، قد تحاول شن هجمات بطائرات مسيّرة أو صواريخ ضد دول الناتو الداعمة لأوكرانيا في المستقبل القريب، ثم تقديمها على أنها "حوادث عرضية".
ووفقاً لتوسك، فإن الهدف المحتمل هو اختبار رد فعل الحلف واستعداده لتفعيل آليات الدفاع المشتركة. كما أعلن توسك أمس انضمام بولندا إلى تحالف لتطوير منظومة اعتراض صواريخ مضادة للصواريخ الباليستية بالتعاون مع أوكرانيا ودول أخرى.
شهدت واشنطن خلال عطلة نهاية الأسبوع تطوراً هاماً، حيث وافقت وزارة الخارجية الأمريكية مبدئياً على صفقة أسلحة محتملة لأوكرانيا بقيمة 2.7 مليار دولار، تركز على تحديث وتطوير أنظمة الدفاع الجوي.
ووفقاً للإخطار المقدم إلى الكونجرس، قد تشمل الصفقة صواريخ مبنية على منظومة إس-300، وصواريخ جام-67، وأنظمة إطلاق محسّنة، ورادارات مضادة للطائرات المسيّرة.
مع ذلك، لا تُعدّ هذه الصفقة حزمة مساعدات أمريكية مباشرة بالمعنى المعتاد، ففي حال إتمامها، سيتم تمويلها من خلال مزيج من الأموال الأوروبية وصناديق التمويل العسكري الأجنبي التي أُقرت خلال إدارة بايدن.
كما صعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنفسه الضغط الاقتصادي على موسكو، بتوقيعه قانوناً جديداً وشاملاً للعقوبات ضد روسيا. يستهدف القانون، من بين أمور أخرى، قطاعي الطاقة والدفاع الروسيين، و"الأسطول الخفي" الذي تستخدمه موسكو لتصدير النفط متجاوزةً العقوبات.
وبالتوازي مع الدعم لكييف، تراقب أوروبا بقلق علامات استفهام حول الوجود العسكري الأمريكي في القارة. وقد أجرى البنتاجون مراجعة شاملة لانتشار القوات الأمريكية في أوروبا خلال الأشهر الأخيرة.
وأشارت عدة تقارير في الولايات المتحدة إلى أن أحد الخيارات هو خفض عدد القوات بنحو 25 ألف جندي، بل وربما يصل إلى 40 ألفاً في سيناريو أوسع نطاقاً، من العدد الحالي البالغ 80 ألف جندي المتمركزين في القارة. ولم يُتخذ قرار نهائي في هذا الشأن حتى الآن.
وتشير وثيقة كشفت عنها وكالة "رويترز" إلى أن مراجعة تجريها وزارة الدفاع الأمريكية من المتوقع أن تُسفر عن صياغة أربعة بدائل على الأقل فيما يتعلق بنشر القوات.
وكان وزير الحرب الأمريكي هيجسيث قد صرّح سابقاً بأن الهدف من هذه الخطوة هو دفع أوروبا لتحمّل حصة أكبر من أعباء دفاعها، مع الحفاظ على قدرة الولايات المتحدة على الوفاء بالتزاماتها العسكرية في مجالات أخرى.
من جهته، أوضح وزير الدفاع الدنماركي، ترويلز لوند بولسن، أنه في حال حاولت موسكو ترهيب الدنمارك، فإن النتيجة ستكون تسريعاً لتقديم المساعدات لكييف. كما حذّر الرئيس اللاتفي، إدجارس رينكيفيتش، خلال عطلة نهاية الأسبوع، من أن أجزاءً كبيرة من أوروبا لا تزال غير مستعدة للواقع الجديد المتمثل في حرب الطائرات المسيّرة والصواريخ، والذي تجلّى في أوكرانيا.
ووفقاً له، فإن الثغرات في أنظمة الدفاع الجوي، واعتراض الطائرات المسيّرة، وأنظمة الدفاع الصاروخي الباليستي كبيرة، في حين أن التهديد الهجين المتمثل في التخريب والهجمات الإلكترونية والتسلل الجوي قائم بالفعل.