يعيش الأمريكيون هذه الأيام حالة من الزخم على خلفية الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في السادس من شهر نوفمبر القادم مع إعلان الحزبين الجمهوري والديمقراطي رسميًّا مرشحيهما لمنصب الرئاسة ميت رومني والرئيس الحالي باراك أوباما.

 

ومع انعقاد المؤتمر الوطني العام للحزب الجمهوري بولاية فلوريدا وقبول ميت رومني ترشيح الحزب لمنصب الرئاسة الخميس الماضي، واستعداد الحزب الديمقراطي لعقد مؤتمره العام في ولاية نورث كارولينا؛ للإعلان الرسمي عن ترشيح باراك أوباما لفترة رئاسية ثانية دخلت العملية الانتخابية منعطفها الأخير مع محاولة كلا المرشحين ووراء كل منهما قادة وأعضاء حزبه كسب أصوات الناخبين في الولايات الخمسين.

 

ويشير موفد وكالة أنباء الشرق الأوسط إلى أنه بالرغم من أن الأجندة الداخلية خاصةً الشأنين الاقتصادي والاجتماعي تتصدران أولويات وبواعث اختيارات الناخب الأمريكي بين كلا المرشحين، إلا أن قضايا السياسة الخارجية فرضت نفسها على أجندة الحزبين بقوة في ضوء تبني المرشح الجمهوري ميت رومني فلسفة صارمة لفرض القيادة الأمريكية للعالم واستخدام نهج أوباما الأكثر هدوءًا سلاحًا في هذا الصدد؛ لضرب خصمه أمام الرأي العام بحجة أن سياسات أوباما الخاطئة كانت الرافد الأساسي الذي يقوِّض الاقتصاد الأمريكي.

 

وإذا كان الحكم الأخير على نهج أوباما المرتقب في سياسته الخارجية حال فوزه بفترة ثانية يتطلب الانتظار لما سيعلنه في خطابه أمام المؤتمر العام للحزب الديمقراطي في مدينة شارلوت بولاية نورث كارولينا خلال أيام قليلة، فإن مواقف الحزب الجمهوري ومرشحه ميت رومني صارت واضحة بعدما شهدنا خطابه وكلمات قيادات حزبه الذي ظل هاجسه الأكبر على مدى الأسابيع الأخيرة ضعف إمكانات مرشحه في مجال السياسة الخارجية مقارنة بمؤهلاته التجارية الاقتصادية الملحوظة.

 

وبنظرة تحليلية وقراءة لنوايا ميت رومني المعلنة حال توليه منصب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية يتضح أنه يتهيأ لإحداث تغييرات في إدارة كل محاور السياسة الخارجية باتجاه أكثر تشددًا في مواجهة أعداء الولايات المتحدة ومنافسيها على حد سواء؛ لتحقيق ما يسميه "القيادة العالمية الأمريكية " والتي تتطلب حسب رؤيته تشددًا أكبر في مواجهة مواقف القوى الدولية المناوئة ومساندة أكبر للأصدقاء الذين يتعرضون لضغوطات.

 

وحسبما أشار لنا دوج مومين مسئول الحملة الانتخابية لميت رومني في ولاية أيوا فإن الديمقراطيين سيدمرون بإستراتيجيتهم قيادة أمريكا للعالم قائلا: "ونحن نريد استمرار هذه القيادة".

 

وقد لفت رومنس في خطابه الخميس الماضي- والذي أعلن خلاله قبول ترشيح الحزب الديمقراطي إياه لمنصب الرئاسة- أنظار الملايين ممن تابعوه عبر أرجاء العالم لا في الولايات المتحدة الأمريكية فقط بتأكيده رفضه لما أسماه أسلوب "الاعتذار" الذي انتهجه الرئيس الأمريكي باراك أوباما مع بداية فترة رئاسته الأولى للعالم، منتقدًا تعهد أوباما وقتها بالعمل على إيقاف معدل ارتفاع مياه المحيطات وإنقاذ الكوكب.

 

وقال رومني للأمريكيين: إذا كان هذا ما وعد به أوباما مع بدء رئاسته فإن عهدي لكم أن أساعدكم وأساعد عائلاتكم في رسالة واضحة مفادها أن الأمريكيين هم الأهم وليس العالم وقضاياه.

 

وحدد رومني مواقفه مقارنة بمواقف أوباما بشكل لا يقبل اللبس ليؤكد أن نهجه وإستراتيجيته ستؤكد على عزمه ممارسة الولايات المتحدة مهام قيادة العالم بدون تراخ أو مرونة من خلال صلابة أكبر في مساندتها الأصدقاء وعدم تهاون وصرامة في مواجهة الأعداء أو المتنافسين الذين يسعون لتقويض القيادة الأمريكية.

 

ورفض رومني نهج الاعتذار الذي تبنته أوباما، مضيفًا أن كل أمريكي شعر بالارتياح عندما قال أوباما إنه أعطى الأمر لفرقة قوات خاصة للتخلص من أسامة بن لادن لكن وعلى صعيد آخر فإن كل أمريكي أصبح أقل أمنًا؛ لأن التهديد النووي الإيراني لم يقل.

 

وأشار ميت رومني إلى أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما قال في أول حديث تليفزيوني له إنه ينبغي أن نتحدث لإيران، موضحًا أننا ما زلنا نتحدث إلى إيران لكن أجهزة الطرد المركزي الإيرانية لا تزال تعمل، بل لقد تخلى أوباما عن الكيان الصهيوني وألقى بحلفاء الولايات المتحدة الأمريكية كالكيان تحت الحافلة، على حد قوله، في إشارة إلى أن مساندة أوباما وإدارته للكيان الصهيوني كانت ضعيفة.

 

وأضاف رومني أن أوباما قلَّص العقوبات على كوبا وتخلى عن حلفائنا في بولندا وعن التزامنا بالنظام الصاروخي، ولم يتردد رومني في أن يوجه رسائله التي تحمل قدرًا كبيرًا من التحدي أيضا للقيادة الروسية، وقال: إن أوباما أعطى للرئيس الروسي فلاديمير بوتين المرونة التي يرغبها بعد الانتخابات، أما بالنسبة لي وتحت رئاستي للولايات المتحدة فسوف يرى أصدقاؤنا أمريكا أكثر إخلاصًا وسوف يرى بوتين مرونة أقل وصلابة أكبر، وسوف نحترم القيم الديمقراطية الأمريكية ليكون العالم الحر أكثر سلامًا.

 

ولم ينس رومني في كلماته الصين التي وصفها معظم قادة حزبه بأنها أكبر تهديدًا للنفوذ الأمريكي، وحذروا في المؤتمر العام للحزب الديمقراطي والحلقات النقاشية المصاحبة له من أن الصين تتجه تدريجيًّا لتحل محل الولايات المتحدة في العديد من المناطق، خاصةً إفريقيا.

 

وقال رومني: إننا لا نريد أن تقترض الولايات المتحدة الأمريكية من الصين تريليون دولار، ولا نريد أن نفشل في خلق 23 مليون وظيفة ونريد تعليمًا أفضل لضمان تأمين مستقبل أطفالنا.

 

وامتدت رسائل رومني الخارجية للنفط العمود الفقري للاقتصاد الأمريكي بتعهده بألا تحتاج الولايات المتحدة الأمريكية للنفط من الخارج بحلول عام 2020 ما يعد رسالة للدول الغنية بالنفط بالاستعداد لتغير السياسة الأمريكية تجاهها في غضون الأعوام الاثني عشر القادمة.

 

ويشير موفد "وكالة أنباء الشرق الأوسط" إلى أن رومني وقادة حزبه عندما وصموا أوباما بتبني لغة الاعتذار وإضعاف مكانة الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها القوة الأعظم في العالم تجاهلوا حقائق عدة؛ أبرزها أن أوباما تولَّى الرئاسة في وقت كانت فيه معظم الدول تنتقد الولايات المتحدة وتنظر إليها بنوع من الشك وعدم الثقة من جراء سياساتها في العديد من القضايا الحساسة؛ ما جعل دولاً عديدةً وشعوبًا ذات ثقل حضاري واقتصادي في وضع أقرب لمناهضة الولايات المتحدة الأمريكية.

 

ويعتبر رومني موقف أوباما من العالم الإسلامي من جانب ومن إيران ولجوئه للحوار معها في بداية ولايته أمرًا غير مقبول، متجاهلاً ما فرضته اعتبارات الضرورة من ضرورة تحسين الصورة الأمريكية من جراء ما شهده معسكر جوانتانامو وأوضاع المعتقلين فيه، كما يعتبرون مرونته الزائدة مع روسيا والصين رسائل قوة لهاتين الدولتين أتاحت لهما كسب مواقع نفوذ جديدة على حساب مناطق النفوذ الأمريكية في العالم.

 

ويرى البروفيسور هيوارد هاسمان خبير الخطاب السياسي بجامعة الينوى أنه يتعين دومًا التمييز بين لغة المجاملة التي اتبعها أوباما لأغراض دبلوماسية مع الدول ولغة الاعتذار التي يهاجمه بسببها رومني.

 

من جانبها أكدت الكاتبة الأمريكية لورين بلوم أن الحديث عن اعتذار يتطلب الاعتراف بالخطأ وتحمل المسئولية والإعراب عن الأسف وليس الوعد بعدم تكرار ما حدث مثلما فعل أوباما.

 

ونوَّهت في هذا الصدد بخطاب أوباما التاريخي من القاهرة الذي كان وسيلة للوصول للعالم الإسلامي وليس للاعتراف بالخطأ، وأن كل ما قاله أوباما وقتها: إننا نحترم المجتمع الإسلامي وعاداته وقيمه.

 

وقالت الكاتبة الأمريكية: ربما يكون هذا الخطاب هو ما يقصده رومني بنقده لأوباما بسبب سياسة الاعتذار.

 

وأيًّا كان الأمر فإن الواضح من دفاع أنصار أوباما وانتقادات خصمه رومني أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تعترف بأخطائها السابقة ولم تتحمل مسئوليتها ولم تأسف لما سببته سياساتها، خاصةً في عهد الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن، وتبقى السياسة الخارجية الأمريكية رهينةً لمصالح القوة العظمى الأكبر في العالم ومصالح شعبها خاصة الاقتصادية.

 

ويظل الخلاف بين إستراتيجية ميت رومني في مجال السياسة الخارجية وإستراتيجية الرئيس الأمريكي باراك أوباما هو خلاف في الأسلوب والوسيلة دون اختلاف على الهدف وهو ضمان استمرار قيادة أمريكا للعالم، أو بمعنى آخر استمرارها كقوة عظمى منفردة بعد انتهاء عصر القطبية الثنائية؛ حيث يرى رومني أن اللغة الدبلوماسية غير الصدامية تقوض القوة الأمريكية، فيما يرى الثاني أن هذه اللغة هي الأنسب لتحقيق الهدف بأقل الخسائر.

 

ويشير موفد "وكالة أنباء الشرق الأوسط" إلى أنه من غير المتوقع في هذا الإطار حدوث تغييرات في أهداف السياسة الأمريكية تجاه العالم، خاصةً الشرق الأوسط رغم وجود احتمالات لاتباع أساليب أكثر حدة في التعامل مع بعض قضايا المنطقة حال فوز رومني، بل من غير المنتظر أن تحدث تغييرات جوهرية على الصعيد الأمريكي الداخلي؛ لأن لحظة التغيير الحقيقية أو بالأحرى المنعطف الذي يتطلع إليه الكثيرون داخل وخارج الولايات المتحدة الأمريكية لن تأت به هذه الانتخابات أيًّا كان الفائز فيها .

 

ويؤكد هذا بيتر سكورش الجمهوري أحد أبرز المحللين السياسيين الأمريكيين في رده على أسئلة موفد "وكالة أنباء الشرق الأوسط"، مؤكدًا أن لحظة التغيير الحقيقية لم تأت لأمريكا بعد، وأنه يجب علينا الانتظار لانتخابات 2016؛ لأن الانتخابات الحالية هي على حد قوله بروفة وتمهيد للانتخابات الرئاسية المرتقبة عام 2016.

 

وأوضح سكورش أن الحزبين الجمهوري والديمقراطي يختبران ويقدمان للشعب الأمريكي الآن قادة جددًا، مثل ماركو روبيو وجيب بوش شقيق الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن من الحزب الجمهوري وهيلاري كلينتون وآخرين في الحزب الديمقراطي سيقومون بالتغيير الذي يعكس التغييرات الحقيقية في تركيبة المجتمع الأمريكي، مضيفًا أنه وفي الوقت نفسه فإن حركة حزب الشاي الأمريكي من المعسكر المحافظ وحركة احتلوا وول ستريت من الجانب الديمقراطي الليبرالي سيلعبان دورًا كبيرًا في الانتخابات القادمة.

 

ويذهب المحلل السياسي الأمريكي لما هو أبعد من ذلك قائلاً: ربما تكون هذه الانتخابات آخر انتخابات يفرض فيها البيض قرارهم فيمن يحكم الولايات المتحدة، مستندًا إلى التغييرات المتواصلة في التركيبة السكانية بالمجتمع الأمريكي، وأن استمرار تصاعد منحنى هذا التغيير المجتمعي سيحدد بشكل كبير طبيعة الرئيس الأمريكي ما بعد القادم، ووقتها ستكون رياح التغيير قد هبَّت ليس على الولايات المتحدة الأمريكية وحدها ولكن ستمتد تأثيراتها للعالم بأسره.