فجَّرت "موجة الغلاء"، التي مسَّت المواد الاستهلاكية الأساسية مع مطلع شهر رمضان، غضب الشارع المغربي، ترجمته وقفات ومسيرات احتجاجية في مختلف المدن المغربية ووصلت شرارتها إلى العاصمة الرباط يوم أمس الثلاثاء، مما دفع وزارة الداخلية إلى عقد اجتماعٍ عاجلٍ لتطويق التداعيات.
ونددت وقفة أمس أمام محطة القطار بالعاصمة الرباط "بالهجوم الشرس على القدرة الشرائية والقوت اليومي للجماهير الكادحة"، حسب شعار اللافتة الخاصة بالوقفة.
وحمل المتظاهرون علب الحليب وسلات التسوق الفارغة وبعض اللافتات المستنكرة بالارتفاع الصاروخي للأسعار بالمغرب تزامنًا مع شهر رمضان والدخول المدرسي، رافعين شعارات من قبيل: "هذا عار هذا عار.. الزيادة في الأسعار"، الوزراء علفتهم.. أولاد الشعب جوعتهم"، "كيف تعيش يا مسكين.. المعيشة دارت (لها) جناحين"..
مواجهات
وقد بدأت حُمى الاحتجاجات ضد الزيادات في أسعار المواد الغذائية والسلع بشكلٍ عفوي ثم تدخَّلت هيئات حقوقية لتبني الأشكال الاحتجاجية، خاصةً الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وتنسيقية مواجهة الغلاء، المكونة من خمسين مجموعة منتشرة عبر التراب الجغرافي للمغرب.
وبخلاف وقفة يوم الثلاثاء بالرباط، التي دعت إليها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان و"منسقية مواجهة الغلاء بالرباط وسلا"، ومرت في جوٍّ سلمي، فإن المسيرات الاحتجاجية، التي همت مدينة صفر و(شرق البلاد) ومدن خنيفرة والعرائش وميدلت، عرفت تدخلاً أمنيًّا؛ حيث أسفرت المواجهات بين قوات الأمن ومتظاهرين عن إصابة خمسين شخصًا بجروحٍ متفاوتة الخطورة، حالة ستة منهم خطيرة، وخلفت خسائر مادية في مؤسساتٍ عموميةٍ من مؤسسات تعليمية ومراكز.
وحسب "تنسيقية مواجهة الغلاء"، التي تضم في أغلب مكوناتها منظمات يسارية موازية لأحزاب اليسار المغربي مثل حزب النهج الديمقراطي، وحزب الطليعة الاشتراكي والحزب الاشتراكي والحزب الاشتراكي المُوحَّد، وجمعيات حقوقية وعمالية مثل "أطاك المغرب" وشبكة مناهضة عنف السلطات العمومي والاتحاد المغربي للشغل والهيئة الوطنية لحماية المال العام، وصحفيون بلا قيود، فإن الحركة الاحتجاجية لن تقتصر على العاصمة الإدارية ونواحيها، بل إنها ستشمل كل المدن المغربية الأخرى في الجنوب وغيرها.
استغلال الفراغ القانوني
ويقول محمد بلماحي- رئيس العصبة الوطنية لحماية المستهلكين بالمغرب-: إن الزيادة الصاروخية في الأسعار، التي تزامنت مع شهر رمضان والدخول المدرسي مردها "استغلال المضاربين والوسطاء للفراغ القانوني بين حرية المنافسة التي جاءت بها رياح العولمة وإصدار المغرب لقانون تحرير الأسعار سنة 1996م دون إصدار مدونة حماية المستهلك؛ حيث استغل المضاربون هذه الفجوة للإضرار بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمستهلك المغربي".
وأضاف بلماحي، في تصريحٍ لـ"إخوان أون لاين" السبب الثاني للارتفاع الصاروخي للأسعار يرجع إلى تبعثر المصالح الخاصة بمراقبة الأسعار وزجر الغش بين الوزارات والإدارات العمومية، وقد جاءت الأحداث الأخيرة لتؤكد ضرورة تفعيل المصالح والعمل على إصدار قانون لحماية المستهلك أو "مدونة المستهلك" ليكمل قانون حرية الأسعار وضمان المنافسة".
وعلى الرغم من تحفظ رئيس العصبة الوطنية لحماية المستهلكين بالمغرب، على أسلوب "إثارة الفوضى للتنديد بالزيادات الصاروخية للأسعار"، إلا أنه يدعو بالمقابل إلى: "الزيادة في الأجور لتواكب ارتفاع الأسعار، حيث يكون لكل مغربي مدخول شهري لمواجهة ارتفاع الأسعار، فتونس مثلاً خصصت خلال هذه السنة50 دينار (500 درهم مغربي) لكل طفل مدرس، أما فرنسا فهي تمنح 50 أورو للطفل الأول في الدراسة و70 أورو للطفل الثاني".
تحرك السلطات
وعقب التظاهرات والمسيرات الاحتجاجية، عقدت وزارة الداخلية اجتماعًا عاجلاً لتطويق الاحتجاجات وبحث الإجراءات، التي سيُجرى اتخاذها لمواجهة ارتفاع أسعار المواد الغذائية.
وحسب وسائل الإعلام الرسمية، فقد حضر الاجتماع وزير الفلاحة والتنمية القروية والصيد البحري، أمحند العنصر، ووزير التجارة والصناعة وتأهيل الاقتصاد، صلاح الدين مزوار، والوزير المنتدب المكلف بالشئون الاقتصادية والعامة، رشيد الطالبي العلمي، بالإضافة إلى عددٍ من الولاة والعمال ورؤساء مجالس المدن الكبرى بالمملكة.
وقال شكيب بنموسى، وزير الداخلية المغربي، إنه تمت دراسة: "كل الإجراءات، التي تهم مراقبة الأسعار والغش، التي تقع أحيانًا على مستوى الأثمنة"، موضحًا أنه جرى "اتخاذ قرار إشهار أسعار بعض المواد، خاصةً الخضر والفواكه في أسواق الجملة، وكذا حذف بعض الرسوم المطبقة في هذه الأسواق على الخضر الأساسية كالبطاطس والطماطم والبصل، والذي من شأنه أن يساعد على الحدِّ من ارتفاع أسعار هذه المواد".
من جانبه، أكد الطالبي العلمي، الوزير المنتدب المكلف بالشئون الاقتصادية والعامة، أن "الإجراءات، التي اتخذتها الحكومة، تهدف إلى تزويد السوق الوطني بجميع المواد الأساسية في ظروفٍ جيدة، والتدخل للحد من المضاربات، التي تؤدي إلى ارتفاع الأسعار".
وبعدما ذكر بأن الأسعار خاضعة لتقلبات السوق العالمية، أشار إلى أن "الحكومة تتدخل عبر الميزانية العامة لتقديم دعمٍ إضافي للمواد الأساسية (1.6 مليار درهم) خاصةً القمح والدقيق الممتاز؛ حيث أصبح حجم الدعم المرصود لهذه المواد 3.8 ملايين درهم".
كما تقرر خلال هذا الاجتماع تقديم الدعم المباشر لأثمان القمح، التي تكلف ميزانية الدولة حوالي 300 مليون درهم شهريًّا، مما سيمكن من الحفاظ على أسعار القمح الرطب "250 درهمًا للقنطار الواحد"، والدقيق الممتاز 350 درهمًا للقنطار.
وكان الوزير الأول، إدريس جطو، قد أعلن في اجتماعٍ بممثلي النقابة الوطنية الموحدة لأرباب المخابز العصرية والحلويات بالمغرب عن استعداد الحكومة الانكباب على بحث المشاكل التي يعاني منها قطاع المخابز في المغرب من أجل تطويره وتحديثه من جهة، وتحقيق مطلب الحفاظ على استقرار سعر هذه المادة الحيوية، من جهةٍ أخرى".
وهو ما جعل أثمان الخبز تعود لسابق ثمنها (درهم و20 سنتيمًا للخبزة الواحدة)، بعد ما وصل ثمن الوحدة درهمًا ونصف في الأسبوع الماضي.