عقدت الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ الباكستاني انتخابات الرئاسة وسط معارضةٍ شديدةٍ ومقاطعةٍ من قبل أغلب الأحزاب والجماعات السياسية المعارضة، التي شكَّكت في نتائج تلك الانتخابات، على أساس أن الرئيس الباكستاني برويز مشرف لا يحقُّ له الدخول في تلك المنافسة، بعد أن قضى في الرئاسة دورتَين متتاليتين، فضلاً عن أنه لا يزال يتمسك بمنصبه العسكري، ويعمل- حسب تصريحات قادة المعارضة- جاهدًا على وأْد الديمقراطية الباكستانية، التي يعقد الجميع عليها آمالاً كبيرة في إخراج باكستان من المآزق المتعددة التي دخلت فيها مؤخرًا؛ الأمر الذي أضرَّ بأمن واستقرار باكستان، وأدخلها في العديد من الصراعات الداخلية التي أودت بحياة العشرات من السكان.
ونظرًا للمعارضة الشديدة التي قوبل بها انتخاب مشرف بنسبة 99%، قررت المحكمة العليا تأجيل الإعلان عن النتيجة الرسمية إلى 17 أكتوبر الحالي، وسط مؤشراتٍ بإمكانِ رفضِها فوزَ مشرف إذا لم يتخذ قراره النهائي بالتخلي عن منصبه العسكري، وفي هذه الحالة إما أن تتم الدعوة لانتخابات جديدة لا يشارك فيها مشرف، أو يقوم مشرف بإعلان حالة الطوارئ ليستمر في الاحتفاظ بمنصبيه الرئاسي والعسكري.
تراكمات مؤلمة
وقد جاءت الانتخابات الأخيرة، والتي شارك فيها 35 مرشحًا، بينهم ثلاثة مرشحين في دائرة العاصمة إسلام آباد، وهم: الرئيس برويز مشرف، ووجيه الدين أحمد مرشح المحامين، ومخدوم أمين مرشح حزب الشعب الباكستاني، وآخرون من ثلاثة أقاليم باكستانية مختلفة، ليس منها إقليم بلوشستان، الذي لم يتقدم فيه أحد للترشح، في ظل واقع باكستاني يتسم بالتعقيد الشديد.
فمن جهة لا تزال مواجهات الرئيس برويز مشرف مع التيارات الدينية مستمرة، ومن جهة ثانية تمثِّل محاولات الرئيس الباكستاني إقصاء بعض التيارات السياسية من على الساحة الباكستانية، وإصراره على تسيير دفة الأمور في الداخل الباكستاني وفقًا لرؤيته- وبما يحقق مصالحه الخاصة- أمورًا في غاية الخطورة، من شأنها أن تجعل الأوضاع في باكستان تتسم بعدم الاستقرار.
وقد اعتبر الخبراء والمحللون أن المأزق الحالي الذي تعيشه باكستان ليس وليد اليوم، وإنما هو نتاج سلسلة من الأخطاء والسياسات أفضت إليه، خاصةً عقب أحداث 11 سبتمبر، والتي اضطرت باكستان للدخول في مواجهة صريحة مع التيارات الدينية، إرضاءً لواشنطن وتعاونًا معها في حربها المعلَنة ضد الإرهاب.
حيث كان للأسلوب التعسفي الذي اتبعه الرئيس مشرف مع الجماعة الإسلامية، في إغلاق المدارس الدينية، ثم قراره بعزل رئيس المحكمة العليا افتخار تشودري، الذي أعادته المحكمة نفسها إلى منصبه مؤخرًا، وكذلك رفضه إجراء الانتخابات التي كانت مقرَّرةً قبل ثلاث سنوات بقرار من المحكمة العليا، دوره في إثارة استياء المواطنين.
ويضيف عدد آخر من المراقبين أن المواطنين باتوا يشعرون بالضجر من هذا النظام الشمولي، الذي أصبح متهمًا بانتهاك مؤسسات الدولة، بما فيها النظام القضائي، بشكل متكرر؛ حتى أصبح كثير من الباكستانيين يشعرون بالأسى والأسف لانتخاب مشرف رئيسًا لهم، خاصةً بعد قيامه بتعديل الدستور بالشكل الذي يسمح له بعزل الحكومة والبرلمان، حسب رغبته.
ومن جانبها حذرت المعارضة مشرف من الاستمرار في مساعيه الرامية إلى إعادة انتخابه رئيسًا للبلاد من جانب البرلمان الحالي الذي يسيطر حزبه عليه قبل موعد حله وإجراء الانتخابات التشريعية المقررة أيضًا هذا العام؛ حيث تطالب قوى المعارضة بإجراء الانتخابات البرلمانية أولاً، ثم يقوم البرلمان الجديد بانتخاب الرئيس الجديد؛ وذلك من أجل أن تتوفر صفة النزاهة في الانتخابات الرئاسية المفترضة؛ حيث إنه في ظل تلك الأوضاع المتدهورة، تعقد أغلب القوى السياسية الباكستانية المعارضة آمالاً كثيرةً على الانتخابات الرئاسية، على أساس أنهم يمكنهم من خلالها إعادة الديمقراطية إلى باكستان مرةً ثانيةً، عن طريق مشاركة جميع القوى السياسية في انتخابات نزيهة، يتم من خلالها انتخاب رئيس يكون لديه قبول شعبي، وقدرة على الخروج بالدولة من المآزق العديد التي تواجهها على الصعيدين الداخلي والخارجي.
تداعيات مقلقة
وعلى الصعيد الخارجي، وبالرغم من انحياز مشرف الواضح للإدارة الأمريكية في حربها ضد الإرهاب، حتى ولو كان ذلك على حساب تأييد الداخل.. إلا أن السياسة الأمريكية تجاهه قد اتخذت أكثر من منحى، فأحيانًا، نجد أن الإدارة الأمريكية تثني على الإجراءات التي يتخذها مشرف في مواجهات التيارات الدينية، مؤكدةً على طبيعة التحالف الإستراتيجي بين البلدين في مجال مكافحة الإرهاب.
وأحيانًا أخرى نجد أصواتًا أمريكيةً تطالب بالتخلي عن مشرف؛ باعتبار أنه لا يقوم بما يكفي من أجل مواجهة تنظيم القاعدة وعناصر حركة طالبان في المنطقة الحدودية مع أفغانستان، بل إن هناك من يتهمه بالتساهل مع الجماعات الإسلامية، وغض الطرف عن أنشطتها خوفًا من الدخول معها في صدامات دامية يمكن أن تكلفه حياته.
ليس هذا فحسب، بل لا تخفي واشنطن قلقها من التداعيات التي قد تفرزها هذه التطورات المشتعلة على الساحة الداخلية في باكستان، وتجد نفسها هي الأخرى في مأزقٍ شديدِ الخطورة في التعامل مع هذا النظام، الذي تتهمه في أحيان كثيرة بلعب دورٍ مزدوجٍ، الهدف الأساسي منه تكريس مصالحة الشخصية، وضمان استمرار الدعم الأمريكي له، وذلك من خلال إعلان التحالف مع الولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب، والتعاون- في الوقت نفسه- مع التيار الديني وتوفير الحماية له.
![]() |
|
جورج بوش |
وبالرغم من تهديد إدارة بوش صراحةً بقطع المساعدات الأمريكية عن باكستان إذا لم تحقق تقدمًا في ملاحقة عناصر "القاعدة" على أراضيها، خاصةً بعد توصل مسئولي الاستخبارات الأمريكية إلى نتيجة مفادها أن برويز مشرف لا يفعل شيئًا في مواجهة الإرهاب في هذا البلد الذي يُعاد فيه تشكيل البنى التحتية الإرهابية بشكل متسارع.
إلا أنها (الإدارة الأمريكية) ورغم ذلك- حسب تأكيدات الخبراء- لا تستطيع أن تتخلى عن دعمها للرئيس الباكستاني، الذي ما زالت تعتبره حليفَها الأساس وخطَّ دفاعها الأول في الحرب ضد الإرهاب، فهي تدرك أن شعبيته في الداخل تتضاءل بشكل كبير، لكنها لا تستطيع أن تضغط في اتجاه تسريع الديمقراطية في هذا البلد؛ خوفًا من وصول الإسلاميين إلى السلطة.
ويعني ذلك أن أمريكا في نهاية الأمر لن تملك سوى مباركة نتائج انتخابات الرئاسة الباكستانية، حتى ولو كانت غير ديمقراطية، وتتعارض مع مطالب المعارضة الباكستانية، بالرغم من علمها من تأثيرات تلك السلبية على الوجود الأمريكي في أفغانستان، على أساس أن من شأن دخول مشرف في مواجهات شرسة مع التيارات الدينية الباكستانية أن يؤدي إلى إضعاف الحكومة، والحد من سيطرتها على الجماعات المتطرفة؛ مما قد يؤدي إلى انتشار تلك الحراكات بصورة قد تضر بالوجود الأمريكي في المنطقة.. إلا أن ذلك من وجهة النظر الأمريكية أهون بكثير من وصول الإسلاميين إلى السلطة، خوفًا من تكرار تجربة حركة المقاومة الإسلامية حماس مرةً ثانيةً في باكستان.
![]() |
|
أيمن الظواهري وأسامة بن لادن |
في ظل تلك الأوضاع المتردية على الصعيدين الداخلي والخارجي يخشى بعض المراقبين من أن تتجه الأمور نحوَ مزيدٍ من التفاقم، لا سيما في ظل المؤشرات التي تؤكد حدوث مزيد من التنسيق والتقارب بين زعماء منطقة القبائل وبين عناصر تنظيم "القاعدة"، الذي دعا الرجل الثاني فيه أيمن الظواهري الباكستانيين إلى خوض الجهاد والانتقام من الجيش الباكستاني لهجومه على "المسجد الأحمر"؛ مما قد يعجِّل بانهيار النظام الحالي؛ حيث يشير المحلل السياسي أحمد راشد- الذي يكتب لصحيفة (واشنطن بوست)- إلى أن مشرف لن يستمر على الأرجح في منصبه فترة طويلة، معتبرًا أن تصرفاته الهوجاء المستمرة قد تؤدي إلى اندلاع حرب أهلية.
ويضيف آخرون: إنه إذا ما استمرت مساعي مشرف للاستئثار بالسلطة، وإذا استمرت شعبيته في التراجع بشكل أكثر سوءًا، فإن أي فرصة لتسوية سلمية محتملة بين النظام الحالي وأحزاب المعارضة ستبدو مجرد سراب ووهم زائف.
وفي العموم يبقى المستقبل الباكستاني يكسوه الغموض؛ حيث تشير كل الدلائل إلى استمرار مشرف في الرئاسة لفترة ثالثة، حتى ولو قضت المحكمة ببطلان الانتخابات الأخيرة، وعدم أحقيته في المشاركة في الانتخابات القادمة؛ الأمر الذي قد يُدخل البلاد في نفق مظلم، ويجعلها لقمةً سائغةً أمام الإدارة الأمريكية التي تسعى جاهدةً لإرغام باكستان على التعاون الجاد والفعلي للقضاء على الإرهاب، سواءٌ عن طريق تفكيك باكستان، فيما يُعرف بالفوضى الخلاقة، أو عن طريق الإطاحة بمشرف والإتيان بنظام أكثر قدرةً على تنفيذ الإملاءات الأمريكية أو الإبقاء على مشرف ومواصلة الضغط عليه.
وفي جميع الأحوال ستكون باكستان هي الخاسر الأكبر، ومن ثم يتعين على الرئاسة الباكستانية وعلى جميع فصائل وقوى المعارضة أن تتوحَّد على كلمة سواء؛ حفاظًا على أمن واستقرار الوطن، وذلك قبل أن تتفاقم الأمور وتصل إلى درجة لا تنفع معها أية حلول.

