كعادتها في كل مرةٍ صارت الانتخابات الأمريكية حديث الحكومات والشعوب العربية، لما لها من انعكاساتٍ خطيرةٍ على مستقبل الشرق الأوسط عمومًا، والمنطقة العربية على وجه الخصوص؛ حيث يتوقف مسار العملية السياسية في المنطقة على شكل الحزب الحاكم في الولايات المتحدة، وإن كانت هناك خطوط عريضة يسير عليها الجميع، وفي القلب منها الموقف من "إسرائيل".

 

وتأتي انتخابات الرئاسية الأمريكية هذه المرة، في ظل مشاريع ومخططات أمريكية تستهدف تقسيم العالم العربي، وتحويله إلى دويلات صغيره متناحرة، خدمةً للمصالح الأمريكية و"الإسرائيلية"، وآخرها قرار مجلس الشيوخ الأمريكي الخاص بالموافقة على خطة لتقسيم العراق إلى ثلاثة كيانات شيعية وسنية وكردية مع حكومة فيدرالية في بغداد تتولى أمن الحدود وعائدات النفط، بالإضافة إلى خططها الخاصة بتوجيه ضرباتٍ عسكرية إلى بعض القوى والجماعات التي تُمثل تهديدًا للمخططات والمصالح الأمريكية، وعلى رأسهم إيران وحزب الله اللبناني وحركة المقاومة الإسلامية "حماس"، والحكومة السودانية التي تقف حجر عثرةً أمام المحاولات الأمريكية الحثيثة لتقسيم السودان، حتى يسهل عليها السيطرة على منابع النفط فيه، إلى غير ذلك من الأمور التي من شأنها أن تضر بأمن واستقرار المنطقة.

 

عثرات جمهورية

في الواقع لم يتغير الخطاب الجمهوري المتشدد تجاه العرب كثيرًا؛ وذلك على العكس مما كان يتوقعه كثير من الخبراء الدوليين، بعد أن وصلت شعبية بوش إلى أدنى مستوياتها بسبب الأوضاع المتدهورة في العراق وأفغانستان، فضلاً عن فشل الإدارة الأمريكية الحالية في إدارة عملية السلام في الشرق الأوسط، حيث لوحظ بعض التشدد في خطاب أعضاء الحزب الجمهوري، الراغبين في الترشح لمنصب الرئيس، لدرجة التصريح بتوجيه ضربة عسكرية للمقدسات الإسلامية، والاستمرار في التعويل على الحرب ضد الإرهاب كسبيل لكسب ود الناخب الأمريكي، والتشدد في التعامل مع الدول التي تهدد أمن واستقرار "إسرائيل" مثل إيران وسوريا وحزب الله.

 

كما أنه وعلى الصعيد الخارجي، وعلى عكس مما كان متبعًا من قبل الإدارات الأمريكية السابقة، والتي كانت تحرص قبيل انتهاء ولايتها، على إحراز بعض التقدم على مسار عملية السلام في منطقة الشرق الأوسط، خاصةً فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، لوحظ تشدد الإدارة الأمريكية الحالية، بل وقيامها بتصعيد الأمور مع الفلسطينيين، لدرجة وصلت للإعلان عن أن قطاع غزة "كيانًا معاديًا" إثر الإعلان "الإسرائيلي" مباشرةً عن ذلك الأمر، مما يعكس تحيزًا أمريكيًّا غير مسبوق في تاريخ العلاقات المشتركة بين الولايات المتحدة والمنطقة العربية.

 

 كما أن مؤتمر الخريف للسلام والذي أعلنت عنه الإدارة الأمريكية مؤخرًا، في محاولة منها لتحسين صورتها أمام المجتمع الأمريكي والدولي، قد جاء بلا أجندةٍ محددةٍ وواضحة، مثلما جاء على لسان الرئيس المصري حسني مبارك الذي صرَّح أكثر من مرة "بأن مؤتمر الخريف بلا أجنده محددة".

 

ليس هذا فحسب، بل وتواجه الإدارة الأمريكية العديدَ من التحديات التي أضرت بصورتها أمام الرأي العام الأمريكي والمجتمع الدولي، وقضت بشكل كبير على مشاريعها الخاصة بالمنطقة، ففي العراق- على سبيل المثال- يواجه الجيش الأمريكي مواجهةً شرسةً، أدت إلى ارتفاع أعداد القتلى في صفوفه، وبصورة، دفعت الكونجرس الأمريكي مؤخرًا للمطالبة بتقسيم العراق، تمهيدًا لسحب القوات الأمريكية منه، بسبب الارتفاع الملحوظ في أعداد القتلى الأمريكيين، وتهديد العديد من الدول المشاركة للولايات المتحدة في العراق بسحب قواتها من هناك، ونفس الأمر بالنسبة لأفغانستان التي شهدت عودة حركة طالبان مرةً ثانيةً، وقيامها بتوجيه ضربات موجعة للتحالف الأمريكي هناك، بل وقيامها بالسيطرة على بعض المناطق الحيوية في شمال أفغانستان.

 

أما فيما يتعلق بالأزمة النووية الإيرانية، فإلى الآن لم تقدر الإدارة الأمريكية الحالية على التوصل إلى حلول ناجعة لتلك الأزمة، بل العكس لوحظ في الآونة الأخيرة قيامها بتصعيد خطابها المعادي لإيران بصورة تنذر بقيامها بتوجيه ضربة عسكرية خاطفة لإيران، غير عابئة بالمخاطر التي قد تحدثها مثل تلك العملية على السلم والأمن الدوليين.

 

ونفس الأمر بالنسبة لحزب الله اللبناني، وحركة المقاومة الإسلامية "حماس"، إذ عجزت الإدارة الأمريكية وربيبتها "إسرائيل"، بالرغم من سياسات الحصار وتجفيف المنابع التي تتبعها معهما عن القضاء على الحزب اللبناني أو حماس الفلسطينية، وبالتالي الحد من قدرتهما على تهديد "إسرائيل".

 

انتكاسات داخلية

كما أنه وعلى الصعيد الداخلي تواجه الإدارة الأمريكية سلسلةً من الانتكاسات تجعل فرص الحزب الجمهوري في الاحتفاظ بكرسي الرئاسة الأمريكية ضئيلةً للغاية، خاصةً بعد أن وصل العجز الأمريكي لمستويات غير مسبوقة، مما تسبب في ارتفاع مستويات البطالة، وارتفاع معدلات الفقر في الولايات المتحدة، بصورة تنذر بالخطر، كما تمثل الرعاية الصحية أزمةً ماليةً أخرى فشلت إدارة الرئيس بوش في إيجاد حل لها، ونفس الأمر بالنسبة لمشكلة الهجرة غير الشرعية المتواصلة للولايات المتحدة.

 

 وهو ما يعني في العموم فشل الإدارة الجمهورية الحالية في تحسين صورتها أمام الرأي العام الأمريكي، مما من شأنه أن يحد من فرصها في الفوز بمنصب الرئاسة القادم.

 

فحسب استطلاع رأي أجرته CNN أن الأمريكيين يشككون في مدى امتلاك الحزبين الديمقراطي والجمهوري لخطة واضحة إزاء حل مشكلات البلاد، ولكن الكفة رجحت في جانب الذين يظنون أن الديمقراطيين أكثر قدرةً على القيادة.

 

فوفقًا لنتائج الاستطلاع قال 38 في المائة فقط إن الديمقراطيين لديهم خطة واضحة مقابل 58 في المائة أجابوا بالنفي.

 

وجاءت الإجابات أكثر سوءًا في حال الجمهوريين، وقال 31 في المائة فقط إن لديهم خطةً واضحةً، بينما نفى 67 في المائة أنهم يملكون خطةً واضحةً للتعامل مع أزمات البلاد.
ومن ناحية أخرى، قال 63 في المائة إنهم يعتقدون بقدرة الديمقراطيين على توفير قيادة قوية للبلاد، مقابل 49 في المائة أعربوا عن ثقتهم في قدرة الحزب الجمهوري على قيادة دفة الحكم في البلاد بثبات.

 

وفيما أعرب 50 في المائة عن شكوكهم في قدرات الجمهوريين القيادية، بلغت النسبة في حالة الديمقراطيين 35 في المائة فقط.

 

توازن ديمقراطي

على عكس حال الحزب الجمهوري الذي فشل في تحقيق التوازن بين سياسات بوش الخارجية والمصلحة الأمريكية الداخلية، حرص الحزب الديمقراطي ومرشحوه للانتخابات الرئاسية المقبلة على إبداء خطاب سياسي متوازن، يجمع بين ما يحقق المصلحة الأمريكية خاصةً فيما يتعلق بتحقيق الأمن والاستقرار للمواطن الأمريكي، وبين ما يحسن من صورة أمريكا أمام المجتمع الدولي، بعد أن أضرت سياسات بوش وإدارته اليمينية ضررًا بالغًا بتلك الصورة.

 

ولذلك لوحظ قيام قيادات الحزب الديمقراطي بالعديد من الزيارات لمنطقة الشرق الأوسط، في محاولة منهم لكسب ود وتعاطف الناخب الأمريكي من جهة، والتعاطف الدولي معهم من جهة ثانية، ومن ذلك ما قامت به نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب الأمريكي من زيارة سوريا، بالرغم من اعتراضات الرئيس الأمريكي على ذلك بزعم أن من شأنها أن تنسف جهود الإدارة الأمريكية الخاصة بعزل الرئيس السوري بشار الأسد، إلا أن بيلوسي قد ضربت بتلك الانتقادات عرض الحائط، حيث أتت سوريا والتقت بالرئيس السوري، وبحثت معه العديد من القضايا الخاصة بالمنطقة، وعلى رأسها ملف الإرهاب والمحكمة الدولية في جريمة اغتيال الحريري والعراق، ودعم سوريا لحركات حماس وحزب الله، بالإضافة إلى العلاقات السورية- الإيرانية، والعلاقات السورية- الأمريكية.

 

كما قامت بيلوسي- كذلك- بزيارة لكل من رام الله حيث التقت بالرئيس الفلسطيني محمود عباس وبحثت معه تطورات عملية السلام في المنطقة، وقد عكست تلك الزيارات وغيرها بالإضافة إلى تصريحات مرشحي الرئاسة الديمقراطيين، عدة أمور أهمها:

أولاً: رغبة الديمقراطيين في تحسين صورة الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط، وإظهارها بمظهر المدافع عن السلام والاستقرار في المنطقة، بعد أن أدت سياسات الرئيس الأمريكي بوش وإدارته اليمينية إلى تشويه الصورة الأمريكية وسط المجتمعات الشرق أوسطية.

 

ثانيًا: رفع أسهم الحزب الديمقراطي في الأوساط الأمريكية، خاصة ونحن مقبلون على انتخابات الرئاسة الأمريكية، ومن مصلحة الحزب الديمقراطي إحراج الرئيس الأمريكي بوش وإظهار عجزه أمام الرأى العام الأمريكي الذي فقد الثقة في قيادته للشعب الأمريكي في مقابل زيادة الثقة في الحزب الديمقراطي وقيادته الجديدة.

 

ثالثًا: إعطاء إشارات للمجتمع الدولي بأن السياسة الأمريكية في المنطقة سوف تتطور للأحسن في حال فوز الحزب الديمقراطي الأمريكي بانتخابات الرئاسة.

 

سياسات ثابتة

وكما سبق وقلنا لا يعني حصول الديمقراطيين على رئاسة الولايات المتحدة حدوث تغيير كبير في السياسات الأمريكية تجاه المنطقة، وإن كان الخبراء يتوقعون حدوث تهدئة في منطقة الشرق الأوسط، والتعامل مع قضاياها بصورة أكثر براجماتية، تعيد للولايات المتحدة هيبتها وتحافظ على مصالحها وعلاقاتها مع دول المنطقة.

 

كما يتوقع الخبراء بالإضافة إلى ذلك أنه في حال فوز الديمقراطيين، أن تتحول الإدارة الأمريكية الجديدة إلى التركيز على الداخل بأكثر من تركيزها على الخارج، من أجل إصلاح ما أفسدته الإدارة السابقة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، خاصة أنه ينتظرها على الصعيد الخارجي العديد من التحديات التي يصعب على أي إدارة أيًّا كان توجهها التعامل معها، ومن تلك الأزمات، مشكلات الاحتباس الحراري، والطاقة، والقضاء على الفقر في أفريقيا، بالإضافة إلى التهديدات النووية، وعملية السلام بين العرب و"إسرائيل"، إلى غير ذلك من الأزمات التي تحتاج إلى الحكمة في التعامل معها.

 

وإلى أن تتحدد هوية الرئيس الأمريكي القادم، يخشى الخبراء من قيام إدارة بوش واليمين المتطرف بتصعيد الأمور في المنطقة بصورة غير مسبوقة، من منطلق أن تلك الفرصة التي حصل عليها اليمين الأمريكي، قد لا يحصل عليها مرة ثانية، ومن ثم فإنه سيعمل على استغلال الفترة المتبقية له في البيت الأبيض على استكمال مخططاته الخاصة بالمنطقة، مهما كانت النتائج.

 

نخلص من ذلك إلى أن تغييرات طفيفة قد تطرأ على السياسات الأمريكية تجاه المنطقة في حال فوز الحزب الديمقراطي، مما يعني أن على العرب ألا يعولوا كثيرًا على أي من الحزبين الجمهوري أو الديمقراطي في التعامل بحيادية مع قضايا المنطقة، كما يعني أيضًا أن وحدة العرب ووقوفهم صفًا واحدًا في مواجهة التحديات هو السبيل الوحيد للتأثير على السياسات الأمريكية أيًّا كان الموجه لها.

 

أما في حال حدوث المعجزة ونجح الحزب الجمهوري في الاحتفاظ بالمنصب الرئاسي، فإن ذلك يعني أن المنطقة مقبلة على منعطف خطير، لن ينفع معه سياسات المهادنة والموالاة التي تتبعها بعض الأنظمة مع القطب الأمريكي، فهل ننتظر حدوث الكارثة أم نتحرك استعدادًا لكافة الاحتمالات؟!!