ربما كان أفضل توصيفٍ للتحالف الوثيق القائم بين تيار المحافظين الجدد من ناحية وما يطلق عليه هنا اليمين المسيحي المتصهين من ناحيةٍ أخرى هو ذلك الخليط من التعصب الديني، معاداة العرب والإسلام، والأيديولوجية السياسية المذهبية التي تضع مصالح "إسرائيل" فوق الكثير من الاعتبارات- حتى الاعتبارات الأمريكية، ولكلٍّ من الطرفين أسبابه للاندماج في هذا الزواج المقدس.
فأما المحافظون الجدد، فيرجع اتفاقهم على النقاط الكبرى الثلاثة لكون نواتهم المحركة من اليهود الأمريكيين المتعصبين "لإسرائيل" وللفكرة الصهيونية بطبيعة الحال.
ومنهم على سبيل المثال لا الحصر ريتشارد بيرل، المستشار الأمريكي المخضرم في هيئة الدفاع التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية، وبيل كريستول، محرر مجلة الويكلي ستاندرد، واليوت إبرامز، مستشار الرئيس للأمن القومي في منطقة الشرق الأوسط.
وجميعهم يدعمون "إسرائيل" على طول الخط لانتمائهم الفكري للصهيونية التي تضع دولة "إسرائيل" فوق الكثير من الاعتبارات العالمية.
فمنظمات سياسية علمانية نافذة مثل مؤسسة اللوبي الصهيوني الأشهر المعروفة اختصارًا باسم "إيباك" بدأت تُدرك خلال القرن الماضي أن القوة الديمجرافية لليمين المسيحي آخذة في الصعود فأخذت في مد أوصال التعاون معهم لخدمة أجندتها في تقوية الدعم "لإسرائيل" في أمريكا والحفاظ عليه من التصدع.
ونجح تيار المحافظين الجدد، السياسي، في الوصول من ناحيته للمتدينين الأمريكيين، خصوصًا تبني الحزب الجمهوري الحاكم، وهو الحزب المفضل لدى المحافظين والمتدينين، تبنيه لفكر الأحادية الأمريكية في السياسة الخارجية وتفضيل الحلول العسكرية على الحلول الدبلوماسية أو السياسية، وهو جوهر فكرهم السياسي.
وكان من نتائج هذا التقارب على سبيل المثال أن حرب "إسرائيل" ضد الفلسطينيين طيلة السنوات الخمس الأخيرة تم ترويجها وبيعها على أنها جزء من الحرب الأمريكية ضد الإرهاب التي ولدت بعد أحداث 11 سبتمبر، ولاقى هذا التعليل ترحيبًا كبيرًا في أوساط اليمين المسيحي المتشدد.
أما النصاري المتصهينون الذين يُقدَّر عددهم وفق البروفيسور القس دونالد واجنر من جامعة نورث بارك في شيكاغو بحوالي 30% من عدد 130 مليون يميني مسيحي متشدد (أي حوالي 40 مليون أمريكي)، فيدعمون "إسرائيل" بسبب الدور التوراتي الذي يعتقدون أن "إسرائيل" تلعبه لأمثالهم من الإنجيليين.
وأصول هذا الدعم ترجع إلى أنه من الناحية الدينية يركز الكثير من قساوسة النصارى المتشددين في الولايات المتحدة، وخصوصًا فيما يُعرف بولايات حزام الإنجيل في الجنوب الأمريكي مثل تكساس وجورجيا، على الدراسات الخاصة بـ"نهاية العالم" وعودة المسيح ودور اليهود في معركة النهاية (أرماجادون) ثم تحولهم إلى النصرانية أو فنائهم بالكامل.
وكثير من العامة، خصوصًا من أوساط المجموعة الأكبر من المتدينين العاديين الذين اكتشفوا دينهم النصراني مؤخرًا، والذين يطلق عليهم "ولدوا للنصرانية من جديد"، يعتقدون أنه يتعين عليهم الدخول في خندقٍ واحدٍ مع مناصرين آخرين "لإسرائيل"، وعلى رأسهم بالطبع تيار المحافظين الجدد؛ لأن هذا هو التيار الذي يساعد "إسرائيل" على الإسراع في عودة المسيح والاقتراب من نهاية العالم؛ وذلك على الرغم من الاختلاف معهم في بعض القضايا الداخلية مثل زواج الشواذ والإجهاض وحقوق الأقليات وما شابه ذلك.
وأوضح القس الدكتور دونالد واجنر، وهو أستاذ بجامعة نورث بارك بولاية شيكاغو، وعضو مؤسس في معهد دراسة المسيحية الصهيونية، أوضح أن المسيحيين الصهيونيين يرون "الدولة الحديثة في "إسرائيل" باعتبارها تحقيقًا لنبوءة توراتية، وأنها بهذا تستحق دعمًا سياسيًّا وماليًّا ودينيًّا.
ويرى الكثير أن هذا الدعم للمحافظين الجدد و"لإسرائيل" هو دعم تُحركه المشاعر المعادية للإسلام والتعصب الديني أكثر من المشاعر الدينية المسيحية الأصيلة.
فواحدة من أنجع النظريات التي طفت على السنة محافظين أمريكيين، من غير المحافظين الجدد، في كشف البعد السياسي والتعصب اللاعقلاني ضد العرب والمسلمين في مواقف اليمين المسيحي الأمريكي ما قيل مؤخرًا على لسان بات بيوكانان، الأمريكي المحافظ والمرشح السابق للرئاسة الأمريكية حينما قال في تعليقٍ له أثناء الحرب "الإسرائيلية" الأخيرة ضد لبنان وفلسطين في صيف 2006م قال: "إن المرء ليتساءل إن كان هؤلاء المسيحيون يهتمون فعلاً بما يحدث لإخواننا المسيحيين في لبنان وغزة، والذين يعيشون دون كهرباء بسبب الضربات الجوية "الإسرائيلية"، وهو شكلٌ محرَّم من أشكال العقاب الجماعي الذي تركهم دون صرفٍ صحي، يأكلون طعامًا متعفنًا، ويشربون المياه غير نقية، ويعيشون أيامًا في الظلام ودون كهرباء في هذا الحر الرهيب في شهر يوليو".
وبغض النظر عن ضعف وجهات نظرة المحافظين الجدد أو المسيحيين المتصهينين أمام أي تمحيص فكري رصين، إلا أن التيارين نجحا- بدافع من الاعتقاد الديني والأيديولوجي القوي والأصيل والمخلص- في إحداث تحالفٍ عملي اخترق الكثير وكون الكثير من المؤسسات وأثر في السياسة الأمريكية خصوصًا الخارجية.
ومن أمثلة تلك التحالفات- لا الحصر- نوعين رئيسيين واحد منهما هو انضمام التيارين تحت مظلة علمانية أميل للمحافظين الجدد والخطاب السياسي البحثي وإن كان بها نزوع للدين كما في حال مؤسسة فريدم هاوس، أو (بيت الحرية).
والنوع الآخر في هيئات يغلب عليها الطابع الديني تنزع إلى السياسية العلمانية مثل مؤسسة "مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل".
-------------
* رئيس تحرير وكالة أنباء "أمريكا إن أرابيك"