هناك تحالف قائم- وناجح- بين تيار المحافظين الجدد الذي يمثل الحركة الصهيونية المعاصرة وبين اليمين المسيحي المتطرف في الولايات المتحدة مؤسسات ومنظمات مثل فريدم هاوس ومنظمة "نصارى من أجل إسرائيل"، وهي المنظمات التي يقودها متدينون مثل الأصولية "نينا شيا"، أو نشطاء سياسيون مثل "جيمس وولسي" المدير السابق للاستخبارات الأمريكية.
ولفهم هذا التحالف نقترب من هذه الأمثلة العملية:
أولاً تحالف وولسي- شيا.. يعرف عن الفريدم هاوس (أو بيت الحرية) أنه هيئة تدافع عن حقوق الإنسان، ويعرف عنه أنه يقع تحت سيطرة المحافظين الجدد بشكل كبير، ويتلقَّى المركز هذا الكثير من التمويل من الحكومة الأمريكية، وخصوصًا من National Endowment for Democracy (NED) الوقفية القومية للديمقراطية، التي تموِّل من الحكومة الأمريكية؛ ليقوم الفريدم هاوس بعد ذلك بدفع تلك الأموال لاحقًا للعديد من المنظمات والهيئات القومية والمحلية الأخرى في دول العالم لتنفيذ أو ترويج سياسات محافظة يدافع عنها، بما يبعد شبهة تدخل الحكومة الأمريكية مباشرة، أي أنه يقوم بدور "غسيل أموال" الحكومة الأمريكية.
ويميل التمويل من هذه المؤسسة إلى دعم المشاريع التي تعكس وجهة نظر المحافظين الجدد وبعض ملامح الصهيونية، ومنها مشروع "ملاتي ريجنال إكستشنج بروجكت"، الذي يجمع ويوزع مقالات من متعاطفين مع حركة المحافظين الجدد وتوزيعها ونشرها في العالم مجانًا والعمل على ضمان تناقلها بين أوساط الإعلام الأجنبي.
وخلاصةُ التعاون بين التيارين- تحت مظلة الفريدم هاوس- هو برنامج "بيت الحرية للحريات الدينية في العالم"؛ إذ يقف هذا المركز الفكري والبحثي وراء أشد التقارير انتقادًا للدول العربية والإسلامية، وخصوصًا فيما يتعلق من مواقفها من "إسرائيل" واليهود وانتقادات الدول العربية لـ"إسرائيل"، وتصنيفه المستمر لها على أنها مواقف معادية للسامية.
كما أنه يصور- وبإلحاح- "إسرائيل" على أنها الديمقراطية الناصعة الوحيدة في المنطقة العربية التي تستحق الدعم الأمريكي المستمر.
وقطبا هذا التعاون في بيت الحرية كانا هما جيمس وولسي رئيس الاستخبارات الأمريكية السابق والعضو البارز في حركة المحافظين الجدد، والأصولية النصرانية نينا شيا، التي كانت تدير برنامج مراقبة الحريات الدينية في المركز قبل أن تنتقل لوظيفة مشابهة تمامًا في معهد هدسن المحافظ.
فأما جيمس وولسي الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الأمريكية "سي آي إيه"، فقد خدم بين عامَي 1993 وعام 1995 تحت ولاية الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون، وكان عضوًا في "إدارة سياسات الدفاع"، وهي الهيئة الاستشارية في البنتاجون، التي كان يعمل فيها ريتشارد بيرل كبير المحافظين الجدد في أمريكا والمنظر الأول لغزو العراق وبعض الدول العربية الأخرى، كما أن وولسي عضو في معهد يتبع المنهج اليميني في الترويج لسياسة الليكود الـ"إسرائيلي"، وهو "مركز سياسات الأمن" (سنتر فور سيكورتي بوليسي) الذي يقف وراءه صهاينة أمريكيون.
وهو مثل الكثير من رفقائه في عالم الصقور ودنيا المحافظين الجدد فإنه يرتدي الكثير من القبعات والكثير من الوظائف التي تسمح له بتأثير متشعب، إذ إنه عضو في العديد من المنظمات شبه الراديكالية مثل منظمة "تحرير أمريكا" التي تهدف إلى التخلص من اعتماد الولايات المتحدة على النفط العربي والإسلامي، كما أن له صلات متعددة داخل إدارة الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش.
ولجيمس وولسي- بحكم منصبه السابق كمدير سابق للاستخبارات الأمريكية- وجود كبير في وسائل الإعلام الأمريكية، وهو ما استغله جيدًا لضمان نشر التبرير الفكري لغزو العراق، ومبدأ الحروب الاستباقية أحد أهم الموضوعات المفضلة لدى المحافظين الجدد.
وجيمس وولسي كذلك عضو في الإدارة الاستشارية "للمعهد اليهودي للأمن القومي"، وهي مؤسسة أمريكية تسعى لتطوير ودعم التعاون العسكري بين "إسرائيل" والولايات المتحدة الأمريكية.
وعُرف وولسي مؤخرًا أيضًا بحملته الشرسة من أجل دفع أمريكا إلى غزو العراق، وعلى حثها للدخول في حروب أخرى يكون هدفها دولاً عربيةً، ومن أمثلة تصريحاته المغالية، والتي تناقض في فحواها بعض أسس السياسة الخارجية الأمريكية البراجماتية حتى مع الحلفاء، قبل غزو العراق قوله: "إننا حقيقة لا نحتاج للأوروبيين، وعلى أية حال إنهم سيكونون أول من يقف في الطابور ليهنئونا على نجاحنا بعد ذلك وهم يقولون لقد كنا معكم طوال الوقت".
وقال وولسي عن العرب كما نقلت عنه جريدة "جلاسجو ساندي هيرالد" في 13 أبريل 2003: "الخوف فقط سوف يعيد الاحترام العربي لنا... نحن نحتاج إلى بعض الميكيافيلية".
وكان وولسي هو نفسه الذي كرر أقوال زميله في حركة المحافظين الجدد وفي "إدارة سياسة الدفاع" اليوت كوهين وذلك في خطاب له في أبريل عام 2003 قال إن حرب العراق هي مجرد "جزء من الحرب العالمية الرابعة.. إن تلك ستكون حربًا طويلةً، بل طويلة جدًّا حقًّا"؛ وذلك باعتبار أن الحرب العالمية الثالثة كانت هي الحرب الباردة بين أمريكا وما كان يعرف باسم الاتحاد السوفيتي.
والقطب الآخر في التحالف في هذه المؤسسة فهو رئيسة برنامج الحريات الدينية، الأصولية نينا شيا. وشيا عضو أيضًا في "لجنة الحريات الدينية الدولية (USCIRF) التي أسسها الكونجرس في 1998 تحت ضغوط قوية من تيار اليمين المسيحي وفروعه من النصارى المتصهينين، وتقوم هذه اللجنة بزيارات لدول إسلامية وعربية، خصوصًا مصر والأردن، لتقصي أوضاع الأقليات المسيحية وإيراد تقارير للكونجرس.
وقد تم تأسيس هذه اللجنة بعد ضغوط من اليمين المسيحي الأمريكي والمؤسسات الكنسية ممن يسعون لحماية المسيحيين وكفالة حرية التنصير المسيحي في العالم والحماية القانونية لبعثات التنصير الكنسي، وعرف عن نينا شيا تشددها الديني؛ إذ إنها تقف وراء مؤتمر عقد في يناير 1996 جلب أكثر من 100 من قادة المسيحيين والكنائس ورجال الدين المسيحيين لمناقشة أعمال وآراء ضد المسيحية في العالم برعاية من الفريدم هاوس.
ووفق سيرتها الذاتية الرسمية على موقع اللجنة، فإن المؤتمر ذلك كان سببًا في حركة مسيحية نهضوية كبيرة، تمت بالاشتراك مع نشطاء يهود، هنا في الولايات المتحدة انتشرت في الكثير من الكنائس من أجل الدفع بطلبات حرية التنصير وحرية ممارسة الديانات في الدول التي توجد لها أقليات مسيحية مما نتج عنه "قانون الحريات الدينية" International Religious Freedom Act of 1998 (Public Law 105-292) يسمح بتأسيس لجنة الحريات الدينية الأمريكية التي أصبحت فيما بعد جهازًا رقابيًّا على الدول العربية.
ومثلها مثل جيمس وولسي، تظهر نينا شيا على الكثير من المحطات المسيحية المتشددة والإذاعات الدينية.
وبخصوص مواقفها من العالم العربي والإسلامي، تقف شيا أيضًا وراء مطالب متعددة بفرض عقوبات على السودان وإجراءات ضد المملكة العربية السعودية ومصر؛ بحجة اضطهاد الأقليات الدينية.
وتتبنَّى نينا في كتاباتها نفس الألفاظ التي يستخدمها أقباط ومسيحيو مصر في المهجر وتصف أوضاع- مثلاً- المسيحيين المصريين بأنهم يتعرضون "لمذابح"، "واضطهاد وتمييز بالغ".
كما قدمت شيا مساعدات لتحالفات بازغة للمسيحيين من الأقليات العربية في الولايات المتحدة، وتؤيد في ذلك البروفيسور المسيحي العربي اللبناني الأصل وليد فارس، الذي يعمل في منظمة "معهد الدفاع عن الديمقراطيات"، وهو معقل آخر للمحافظين الجدد والمناصرين "لإسرائيل" حتى إنه اكتسب اسمًا تهكميًّا بكونه "واجهةً" "لإسرائيل" في واشنطن.
وامتدحت نينا شيا البروفيسور وليد فارس بعد أن عقد مؤتمرًا للأقليات المسيحيين في العالم العربي في أكتوبر 2004 للعمل على تنظيم صفوفهم ومطالبة الإدارة الأمريكية بتبني مواقف مؤيدة لهم.
تحالف هاجي- بروج
ومن المنظمات الحديثة الأخرى التي تجمع بين اليمين المسيحي والمحافظين الجدد منظمة "مسيحون متحدون من أجل إسرائيل" ذات الصبغة الدينية، والتي يرأسها القس الأصولي جون هاجي، الذي أراد الانتقال بأجندة "مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل" من مرحلة التخطيط إلى التحرك المباشر، فجاء هاجي بالناشط اليهودي ديفيد بروج، وهو أحد الأشخاص المطَّلعين والناشطين في واشنطن والمحسوبين على المحافظين الجدد المناصرين للصهاينة؛ ليكون مديرًا تنفيذيًّا للمنظمة.
وقد كان اختيار بروج تحركًا ذكيًّا من الناحية السياسية ويعبر عن دهاء واسع؛ حيث إن بروج يهودي، عمل سابقًا مديرًا لمكتب السيناتور الجمهوري اليهودي عن ولاية بنسلفانيا أرلين سبكتر، كما أن بروج هو مؤلف الكتاب الرائج الصادر مؤخرًا بعنوان "الوقوف مع إسرائيل": لماذا يساند المسيحيون الدولة اليهودية؟".
وفي مقابلة صحيفة حديثة أشار بروج إلى أنه "أُعجب" بهاجي "عن بعد"، وقال مفسرًا سبب عمله لصالح منظمة مسيحية إنه كيهودي محافظ "يعتقد أن هذا هو أهم شيء يستطيع أن يقوم به ليس فقط من أجل "إسرائيل"، ولكن أيضًا من أجل الحضارة اليهودية المسيحية اليوم، والتي تواجه تهديدًا من الإسلام المتشدد".
وفي مقدمة كتابه يؤسس بروج أوراق اعتماده، من خلال تأكيده على أنه "ليس يهوديًّا يؤمن بالمسيح أو يهوديًّا من أجل المسيح"، وأنه "لا يعتقد أن المسيح قد ظهر على الأرض على الإطلاق".
وكتب بروج يقول عن نفسه: "أنا أعتنق إيماني اليهودي وأسعى إلى معرفة خالقي من خلال الطرق والنصوص التي قدمها لي أسلافي اليهود".
ويوضح أيضًا أنه رغم "أنني لا أراعي جميع قوانين الهالاشا (الشريعة اليهودية)، إلا أنني أعترف بالهالاشا؛ باعتبارها المكون المركزي لديني".
أساليب العمل
وغير اختراق المؤسسات الفكرية والبحثية المؤثرة كالمثالين اللذَين تحدثنا عنهما، يتعاون التياران- "المحافظين الجدد" و"اليمين المسيحي المتصهين"- في دعم وترويج الأفكار المساندة لـ"إسرائيل" وسياسة الهيمنة الأمريكية في المنطقة العربية، من خلال تقارير وخطابات وبيانات، تصدرها مؤسساتهم ومقالات موقَّعة من الشخصيات البارزة في اليمين الأمريكي، ومن خلال التدفق المستمر في الآراء، التي شكلت جزءًا من نفوذ دور للمحافظين الجدد.
وللتيارين أصدقاء في أسبوعية "الويكلي ستاندارد" المحافظة، علاوةً على نفوذهما في محطة "فوكس نيوز"، كما في حالة المذيع اللامع شون هانيتي- المحافظ المتدين- وكذلك أعمدة الرأي في جريدة "واشنطن تايمز"، وصفحات التحرير في صحيفة "وول ستريت جورنال"، وكلها تعمل على تشكيل إطار للنقاشات في وسائل الإعلام الرسمية والسائدة في واشنطن وأنحاء الولايات المتحدة.
وقد تم تأسيس منظمات مؤلفة من قيادات الإنجيليين المحافظين ومن اليهود، كما تم جمع ملايين الدولارات والتبرع بها إلى مؤسسات خيرية في "إسرائيل".
ومع نمو هذا التحالف تبقى علاماته الرئيسية الثلاثة كما هي منذ ظهوره في العشر سنوات الأخيرة: معاداة الإسلام، التعصب الديني، والأيديولوجية السياسية المذهبية التي تضع مصالح "إسرائيل" فوق الجميع؛ ليكون بذلك زواج أمريكا المقدَّس.
-------
* رئيس تحرير وكالة أنباء "أمريكا إن أرابيك".