أكد د. محمود الزهار- القيادي البارز في حركة حماس والنائب في المجلس التشريعي الفلسطيني ووزير الخارجية السابق- أن حماس تعمل على فرض واقع إصلاحي جديد، خاصةً في مجال التعليم، وأن اللعب على تجويع قطاع غزة سيفشل حتمًا.

 

ورفض أي اتفاق أو تسوية غير عادلة، سواءٌ مع فتح أو غيرها، دون أن تكون هناك نوايا صادقة واستخلاص للعبر، مؤكدًا أن أهل الضفة الغربية لن يصبروا كثيرًا على الإذلال الذي يواجهونه من قِبَل عباس وجماعته.

 

وشدَّد د. الزهّار على أن من سيقدم اعتذاره للشعب هو مَنْ تعاون مع العدو، محذِّرًا كلَّ من شارك في جرائم ضد الشعب من العودة إلى غزة.

 

وحول ما يمكن أن تؤول إليه القضية الفلسطينية في المؤتمر المزمع عقده في نوفمبر القادم، قال: "إن الأوراق الصفراء ستتساقط في الخريف"، وتوقع أن يقوم رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بإجراء مفاوضات سرية مع رئيس الوزراء الصهيوني إيهود أولمرت تحضيرًا للمؤتمر..

 

حول هذه المحاور وغيرها كان هذا الحوار:

 * بدايةً.. كيف تقيِّمون اللقاءات "الماراثونية" المتكررة بين عباس وأولمرت؟

** اللقاءات الجارية حاليًا هي مطلب أمريكي و"إسرائيلي"، وتنسجم مع موقف الرئيس عباس، وتدخل في باب تحسين الأوضاع السياسية الداخلية للأطراف الثلاثة.. فأمريكا مُقْدِمة على انتخابات، وتريد أن توضح أنها بدأت عملية سلمية حقيقية تعطي للفلسطينيين دولةً.. والحكومة "الإسرائيلية" في وضع سيئ، ويريد أولمرت أن تكون هذه اللقاءات بوابةً لاستنهاض موقفه المتأزم.. أما أبو مازن، فبعد الذي حدث يريد أن يقول: إنه ما زال يحمل همَّ الشعب، وإنه على استعداد لأن يطلق سراح بعض الناس ويرفع بعض الحواجز، وإن هذه اللقاءات بوابة للحل النهائي.. وبالتالي تدخل كل هذه اللقاءات في باب العلاقات العامة الداخلية.

 

قطيعة و"خط رجعة"!

 * لكن، في ظل أجواء الإحباط التي أشاعها أولمرت مؤخرًا حول عدم التوصل لاتفاق مع عباس.. ما هي باعتقادكم أهداف اللقاءات المتكررة معه؟ وهل لها علاقة بإبقاء القطيعة مع حماس؟

 الصورة غير متاحة

عباس وأولمرت

** لا شك أن المطلوب الآن هو "ترسيخ" القطيعة بين حماس وعباس، إلى أن تتضح نتائج مؤتمر الخريف القادم، والسبب في ذلك أن أمريكا لا تريد لحماس أن تكون في اللعبة، مما يعكس التخبط في السياسة الأمريكية، فكيف يمكن لشخص أن يحضر هذا المؤتمر وهو لا يمثل سوى الضفة الغربية المحتلة، وليس له أي سيطرة أو علاقة بغزة؟!

 

وبالطبع "إسرائيل" لن تقبل بذلك، والدول العربية لا ترى فيه موقفًا يخدم الشعب الفلسطيني، وبالتالي يظل أبو مازن أسير سياسته والمجموعة المحيطة به، وهو الذي افتعل القطيعة ويعمل على ترسيخها، وبالتالي ليس هناك شيء متوقَّع في العلن يمكن أن يتم، لكنني أتوقع أن يكون هناك شيء سري تمهيدًا للخريف؛ بحيث إذا فشل المؤتمر يكون هناك خط رجعة.
 لم يعد سرًّا أن هناك تجديدًا لخطة "دايتون 2"، وما أُعلن عنه من منح الإدارة الأمريكية لرئاسة السلطة مبلغ 80 مليون دولار ومساعدات أخرى لوجستية وعسكرية..

 

* فهل عباس ومجموعته لم يتعلموا من تجربة غزة وإفشال (دايتون 1)؟

** هم بالتأكيد لم يستفيدوا من التجربة؛ لأنهم لو استفادوا منها ما فعلوا الذي فعلوه قبل "دايتون 2" من اعتقالات، وإغلاق الجمعيات والمؤسسات الخيرية، واقتحام الجامعات، وكل الوسائل التي استخدموها في غزة والتي كانت وبالاً على رؤوسهم تتكرر في الضفة، وأنا أؤكد أن "أبو مازن" ومجموعته يعيشون في حصار داخل المقاطعة، ولا يستطيعون الخروج منها؛ لأنهم يدركون أن ما قدمته أيديهم تجاه شعبنا في الضفة هي جرائم حقيقية، وباعتقادي أن شعبنا هناك لا يمكن أن يرضى المذلة ويقبل بما يحدث، خصوصًا وأن تجربة الضفة مع الاحتلال قاسية، فأهل الضفة هم أهل الاستشهاد في الوقت الذي كانت غزة تتعرض للضربات من قبل الاحتلال.

 

واقع إصلاحي جديد

* كيف تنظرون إلى قرارات "رام الله" المتلاحقة ضد حماس، انطلاقًا من سياسة تجفيف المنابع، لا سيما إغلاق الجمعيات الخيرية وتجميد أرصدتها؟

** هم يظنون أن الشارع في غزة والضفة التفّ حول حماس بسبب المال، ومثل هذه القرارات لن تصرف الناس عن توجهاتها الدينية والسياسية؛ لأن المال لا يدفع الناس للتدين أو العلمانية، فهذه التصورات الخاطئة في المجال السياسي تُضاف إلى ركام من الخيبة في التفكير والنتائج واستخلاص العبر.

 

 * هل ترون إحياءً لمقولة "غزة أريحا"، من خلال الضفة الغربية أولاً، في ظل الحديث عن انفراج اقتصادي في الضفة، وإبقاء غزة في حالة فقر مدقع وحصار مطبق؟ وما موقف حماس من هذا الأمر؟

** نحن حذرنا من "غزة أريحا" منذ البداية، وهم دخلوا أوسلو دون وسائل ضغط، وبالتالي ستكون "غزة أريحا" أولاً وأخيرًا؛ لأن غزة أصبحت محرَّرةً ليس نتيجة أوسلو ولكن بفضل الله ثم المقاومة.. وكل الرهانات قد سقطت، وسياسة إفقار وتجويع غزة ستفشل، ولو افترضنا جدلاً أنها ستنجح وهذا لن يحدث ودخلت غزة في سياسة تجويع، وقررت حماس أن تخرج من هذه اللعبة بكل أسلحتها وقوتها، فما الذي تستطيع أن تقدمه البدائل الأخرى؟!

 

أما موقفنا في حركة حماس، فنحن مستمرون بتطبيق واقع إصلاحي جديد، وحققنا إصلاحات جذرية في كل المجالات، ومنها التعليم الذي يجب ألا يظل بهذه الصورة التي عليها الآن، ونعمل على ترميمه بأقصى درجة ممكنة، لأنه يتحمل مسئولية إعادة صياغة التاريخ وبناء الأجيال القادمة.

 

 * بعد نحو أربعة أشهر من الحسم العسكري لحماس في غزة.. ما تقييمكم لما تمَّ لاحقًا، وما يتواتر من أحاديث عن إدارة الحركة لشئون القطاع، وإمكانية نجاحها أو إخفاقها في ذلك؟

 الصورة غير متاحة

القوة التنفيذية تنتشر في شوارع غزة لحفظ الأمن

** الحقيقة أن من يحاول قراءة الصفحة الأخيرة في الحسم العسكري هو مخطئ أو يريد أن يتجنَّى، فالحسم العسكري كان مقرَّرًا من جانب "أبو مازن" وجماعته، والأموال التي رصدها "دايتون" تبلغ 86 مليون دولار، والأسلحة التي جاءت من دول عربية والتدريبات التي تمت في تلك الدول لم تكن لترتيبات استعراض ذكرى الاستقلال، بل كانت للقضاء على حماس..

 

ومن يرد قراءة الصفحة قبل الأخيرة فقط؛ فليقرأ الصفحة التي كانت تقول: (اقتلوهم.. اذبحوهم.. اسلخوهم)، فقد تم قتل 83 شخصًا خلال الـ12 يومًا الأولى من شهر يونيو 2007، كما اعتلى أفراد فتح والوقائي والمخابرات وبقية الأجهزة الأبراج العالية وأطلقوا الرصاص على الناس، ناهيك عن عمليات الاختطاف، والقتل على اللحية، والتعذيب، واقتحام البيوت وحرقها، وقتل الفتيات المحجَّبات، وقتل الناس في المستشفيات.

 

أما بالنسبة لإدارة شئون القطاع، فقد اتخذنا القرار الحاسم بمنع كل من يطلق الرصاص في أي مناسبة حتى نتخلص من هذه الظاهرة، وأعتقد أننا نجحنا في فرض الأمن وتحويل الخلافات العائلية إلى مظاهرَ أقلَّ عنفًا مما كانت عليه في الماضي..

 

لقد حققنا نجاحًا كبيرًا رغم الإمكانيات الضعيفة جدًّا، ولنا أن نتخيل لو كانت المعابر مفتوحةً وحركة التنقل مستمرةً، وكل ذلك تمَّ في ظل جرائم الإضرابات في الصحة، والعبث بالتعليم والأمن، وصلوات الضرار في الشوارع، حتى وصل الأمر إلى أن الذين يعتبرون الصلاة نوعًا من التخلف والرجعية قاموا باللجوء لها في الشوارع كتعبير عن موقف سياسي!!.

 

هذه كلها نجاحات، إلا إذا كان هناك من يرى في الفلتان الأمني إنجازًا وطنيًّا لسلطة أوسلو، ويرى في اختطاف الناس وسرقة أموالهم وتبديدها إنجازًا شخصيًّا، وهذا بالتأكيد خيبة كبرى ودمار، ليس فقط للتنظيم والحركة التي احتوت هذا النمط، بل لمن ساعدها من الدول، سواء كانت دولاً أوروبيةً أو عربيةً.

 

 * ولكن عباس وضع شروطًا للحوار، من ضمنها تقديم حماس اعتذارًا للشعب الفلسطيني، فما ردُّكم؟

** الذي يجب أن يقدم اعتذاره للشعب هو من تعاون مع "إسرائيل" وأمريكا ضد الشعب الفلسطيني، أو ضد جزء من الشعب، فالاستباق والمطالبة بالاعتذار هي خطوة إعلامية لا تنطلي علينا، والذي سيقدم اعتذاره حقيقةً للشعب عبر المحاكم هو الذي ارتكب جرائم بحقه، وبالتالي فنحن لا نطلب من أحد أن يعتذر شفويًّا؛ لأن هذا يُعتبر "ضحكًا على اللحى"!، والذي يجب أن يقدم اعتذاره هو الذي يستحق العقوبة على ما اقترف في حق الشعب، من فساد وسرقات، وتعاون أمني مع العدو، وانصياع لأمريكا، ومحاولة للقضاء على نتائج الانتخابات الأخيرة.

 

فلتان وخلايا نائمة
 
 الصورة غير متاحة

آلاف الفلسطينيين يعلنون دعمهم لحماس

* كيف تنظرون إلى تقدُّم أو تراجع شعبية حماس حاليًّا، في ظل ما يُنشَر من استطلاعات رأي تشير إلى تراجعٍ ما في جماهيريتها؟!

** أودُّ القول بأنني سعيد بهذه النتائج، لكن أريد أن أذكِّر بأن ادِّعاء التراجع في شعبية حماس ليس جديدًا، وهذا النمط من الاستطلاعات كان موجودًا قبل ظهور نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة بدقائق، وبعد إعلان النتائج أدرك الجميع أنها استطلاعاتٌ مزوَّرةُ وحسب الطلب.

 

وحتى إذا افترضنا أنها صحيحة، فيجب أن تكون حافزةً ودافعةً لحماس على الجد الأكثر للوصول للجمهور وتلبية متطلباته الوطنية، التي هي أصلاً جزء من برنامجنا الوطني، وإذا كانت غير صحيحة، فإنها ستستفز أبناء حماس وأنصارها وأحبابها للمثابرة أكثر، فهي تصبُّ في مصلحتنا في كلتا الحالين.

 

 * هل تخشون عودة الفلتان الأمني؟ وهل لديكم معلومات عن عمليات يتم الإعداد لها من قِبَل بعض الخلايا النائمة؟ وكيف ستتعامل حماس مع ذلك؟!

 الصورة غير متاحة

مسلحو فتح أثاروا التوتر والاضطرابات في الشارع الفلسطيني

** أريد أن أؤكد أنه ما من أحد أطلق الرصاص إلا وتمَّ الوصول إليه أو هرب، وبالتالي يتم كشف القضية ومعرفة وجهة الهارب، وإن أكبر عقاب للإنسان أن يغادر وطنه، ونحن نعلم جيدًا مَن الذي يدير هذه العمليات من رام الله، وعندنا نتائج التحقيق، وكل ذلك تحت السيطرة، وفي النهاية سيكون أمام المحاكم في اللحظة المناسبة، ولذلك نحن حذرنا وقلناها صريحة: "اللي في بطنه عظام ما يعود لغزة"؛ لأنه إذا عاد فسيواجه مصيره بالقانون.

 

أما فيما يتعلق بالخلايا النائمة، فهناك بالفعل خلايا تعمل، وهي متابَعَة ومراقَبة جيدًا، وكلما نهضت خلية، وخرجت من تحت الأرض يتم التعامل معها حسب القانون.

 

أوراق الخريف

* كيف تنظرون لإمكانية إعادة الحوار مع فتح، خاصةً فيما يتردد عن أن هناك حواراتٍ سريةً تدور في القاهرة وبيروت؟

** ليس هناك حوارات سرية تدور في القاهرة وبيروت، ولا يوجد منا أحد يحرِّم الحوار، نحن قلنا: "إن خيارنا فيما بعد الحسم هو الحوار"، أما عباس وجماعته فقالوا: "لا حوار إلا مع "إسرائيل".. وبالتالي ينطبق على هذه الحال قول الآية القرآنية الحكيمة: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ (البقرة: من الآية 148)، فلا نستطيع القول بأن هناك حوارًا يدور لا سريًّا ولا علنيًّا.

 

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل لدى "أبو مازن" وجماعته استعدادٌ للدخول في حوار مع حماس قبل الخريف؟! الواقع أن ما يتم من اجتماعات هنا وهناك لا يعدو كل منها كونه لقاءً بين شخصين اثنين، لا يأخذ الصبغة الرسمية.

 

ومن جانبي، فأنا ضد أي تسويات غير عادلة مع فتح أو غيرها، بمعنى إذا أردت أن نتشاطر كما حدث في مكة، ورفضت بعدها الشراكة ففقدت كل شيء، فأنا ضد اتفاقات كهذه، وكنت قد وافقت على اتفاق مكة، محذِّرًا من أن هذا الاتفاق لن يدوم طويلاً؛ لأنني كنت أدرك نواياهم بأنهم اتخذوه محطةً لاستكمال تدريباتهم ومخططاتهم، ودليل ذلك حادث اغتيال الشهيد "محمد أبو كرش" ونحن جالسون في مكة، ثم قيامهم بحرق بيته بعد الاتفاق؛ لذا فأنا ضد أي اتفاق يجعلك تصافحني بيد، وفي يدك الأخرى سكين تضعها خلف ظهرك أو تحت ملابسك.

 

 * ما حقيقة الوضع في الضفة الغربية، حسب معلوماتكم؟

** الضفة الغربية الآن ليس هناك للسلطة أي سيطرة عليها، وهناك صراع حقيقي خفي يدور بين أنصار "أبو مازن" وأنصار سلام فياض، وكل منهما يقدِّم نفسه لأمريكا و"إسرائيل" على أنه الخيار الجيد؛ لأنهما يعرفان أنه بعد "الخريف" ستتساقط الأوراق "الصفراء"، ويعلمان بالتالي ما هي الأوراق الأخرى التي يجب أن تظهر والبراعم التي تتهيأ لما بعد هذه الفترة، وهذا ما ستكشف عنه الأيام المقبلة، ولدينا معلومات عما يقول كل من عباس وفياض للأمريكان و"الإسرائيليين"، فحالة التخبط نلمسها جيدًا، وعليهم أن يُجمعوا أمرهم على موقف واحد قبل أن يذهبوا لأي حوار.

 

 * ماذا عن الحديث المتكرِّر حول أجنحة الصقور والحمائم في حماس، وتزعُّمكم للجناح المتشدِّد من خلال رفضكم السعي لأي تسوية مع فتح؟

** قصة الصقور والحمائم "لعبة قذرة" تنطبق على كل من يلعبها ويمارسها ويؤمن بها، وهي ليست موجودةً عند حماس، وموضوع الخلافات داخل الحركة هي أيضًا "لعبة قذرة"، والآخرون يعانون منها؛ لأنها جزء من ثقافتهم وترتيباتهم وتركيبتهم، والدليل هو أين تنظيمهم على مدى السنوات الماضية؟ وأين جلساتهم ومؤتمراتهم؟ بالطبع لا يوجد؛ لأنهم لا يستطيعون الجلوس مع بعضهم، وهذه الأكاذيب التي يبثُّونها "إسقاط نفسي" يسحبونه على الآخرين.

 

وواضح أن الجمهور الفلسطيني أصبحت عنده قناعاتٌ راسخةٌ بأن كل ما يخرج عن هذه الوكالات- سواء ما يُسمَّى "تلفزيون فلسطين" أو "فلسطين برس"- مجرد أكاذيب من النوع الرخيص؛ لأن كشفها أصبح سهلاً وميسورًا، وبالتالي فإن قصص الصقور والحمائم ليست موجودةً عندنا، وإنما في حظائر الآخرين، وشعبنا يعرفها جيدًا، وحتى إن حدثت خلافات فليس عيبًا، ويتمُّ حسمها، وبذلك حافظت الحركة على كل الخلافات في وجهات النظر داخلها، وحسمت الأمر لصالح الأغلبية والكل يلتزم بذلك، وأؤكد أنه في الوقت الحالي لا توجد أي خلافات داخل حماس.

 ---------

* بالاتفاق مع "المجتمع".