ليس الدمار ولا الخراب ولا الحرب الأهلية هي فقط ما خلَّفه الاحتلال الأمريكي للعراق، وما نتج عنه من تصفياتٍ طائفية على أساس المذهب وأعمال عنف، فهناك كوارث اجتماعية وأخطار أكبر أصابت كيان الأسرة والمجتمع العراقي نفسه، بفعل تداعيات الاحتلال والقتل والتدمير المستمر.
فالتدمير لم يصب فقط المنازل أو المنشآت أو الجامعات والمدارس، ولكنه طال "الإنسان" العراقي من الداخل فحوَّله إلى "أطلال" بشرية يعاني من أمراضٍ نفسية وعصبية، وأكثر مَن عانى هُنَّ النساء نتيجة قتل أزواجهن أو أبنائهن أو أُسرهن، بخلاف اغتصاب المحتلين لبعضهن، بالإضافةِ إلى تدني ظروف الرعاية الصحية لهن وانتشار أطفال الشوارع من اليتامى الذين تُوفيت أسرهم أو ضاعوا في أتون الحرب القاسية.
الأرامل والأيتام.. هم عنوان هذه الكارثة الاجتماعية التي ترتبت على الحرب، والتي بدأت تتكشف يومًا بعد يومٍ وسط الدمار والخراب والدخان الأسود الكثيف، فضلاً عن تفكك الأسرة العراقية وازدياد حالات الطلاق، وانتشار جرائم الفساد الإداري، والاعتداء على الملكية العامة، وارتفاع جرائم السرقة عمومًا في ظلِّ غياب الأمن للمواطن العراقي.
![]() |
|
سيدة عراقية تبكي عائلتها |
وعلى الرغم من عدم توافر أرقام أو إحصاءات دقيقة لضحايا هذه الحرب من الزاوية الاجتماعية، فقد رصد باحثون عراقيون ما يمكن اعتباره "أجراس خطر" عن تداعيات خطيرة وظواهر اجتماعية صارخة في بنية المجتمع العراقي حالية ومستقبلية، على خلفية الوضع المأساوي والخراب والدمار الذي يعيشه العراق وما يزال منذ احتلاله وحتى الآن.
آخر هذه الدراسات ما أعدَّه الباحث الاجتماعي د. عدنان ياسين مصطفى أستاذ الدراسات الاجتماعية في جامعة بغداد، والتي كشف فيها أرقامًا مخيفةً عن تدهور الوضع الاجتماعي في العراق؛ حيث أكد من خلال دراسة أعدَّها أن هناك أكثر من 100 أرملة و400 يتيم يضافون يوميًّا إلى المجتمع في بغداد بسبب العنف الدائر هناك، والذي لا تظهر له نهاية.
فحالة العراق في ظل الاحتلال ليست سوى مسلسلٍ من عمليات القتل العشوائي التي تحصد العشرات كل يوم، وفقدان الشعور بالأمن وتفكك الأسرة العراقية، وازدياد حالات الطلاق، بالإضافةِ إلى انتشار جرائم الفساد الإداري، والاعتداء على الملكية العامة، وارتفاع جرائم السرقة.
ويدلل الباحث على سوء الأوضاع الاجتماعية في العراق بتقارير وإحصائيات تصدرها الأمم المتحدة، وتشير إلى أن 100 امرأة تصبح أرملةً في بغداد يوميًّا نتيجةً للعنف الدائر، وإن 400 يتيم يضافون يوميًّا في بغداد وحدها، وهو ما يعني من وجهة نظر الباحث العراقي أن أسرة جديدة تُبنى على أنقاض أربع عوائل.
وأشار إلى أن المجتمع العراقي قد أُصيب بالانهيار بعد الضربات المتتالية التي تلقاها في حربين إبَّان الثمانينيات والتسعينيات، أعقبهما حصارٌ اقتصادي استمرَّ عشر سنوات ثم غزو دمَّر البنية التحتية وهياكل الدولة الأساسية عام 2003م.
![]() |
|
حتى الأطفال لم يسلموا من جنود الاحتلال!! |
ويضيف د. عدنان ياسين مصطفى في دراسته: "إنه بسبب التهميش وسوء المعاملة التي يلقونها من قوات الاحتلال وقوات الأمن، يسود التوتر بين المواطنين أنفسهم، ويشعر الجميع بفقدان معايير العدل، لا سيما بعد إذكاء روح التعصب الطائفي والقبلي على حساب الهوية الوطنية، بحيث لا تؤدي الخطط الأمنية المتواصلة بكل ما فيها من أسلحةٍ وقواتٍ إلى إعادة الأمن المفقود.
ويقول: إن الأمر وصل في حالة أعداد الأرامل اللاتي زدن بصورةٍ كبيرةٍ ولم يعلن عنهن إلى درجة أن وزارة الشئون الاجتماعية عجزت عن تسجيل العدد الكامل للأرامل حتى الآن، فالرقم الحالي هو 560 ألف أرملة فقط، في حين أن مكتب المنسق الإنساني للأمم المتحدة في العراق سجَّل عدد النساء اللاتي ترمَّلن بسبب الحرب وأصبح أطفالهن مشردين في بعض محافظات الجنوب فقط 100 ألف امرأة، ويقول خبراء اجتماع: إن الرقم الحقيقي أكثر من ذلك بكثير!!
أما عن حالات الزواج والطلاق، فيشير تقرير المنظمة الدولية وإحصاءات وزارة العدل العراقية، إلى أن معدلات الطلاق ارتفعت من عام 2003م إلى عام 2006م بنسبة 200%، في حين تراجعت نسبة الزواج للفترة نفسها إلى50%.
الأرامل.. مأساة حقيقية
ويقول خبراء عراقيون في شئون الأسرة: إن أرقام الأيتام في العراق التي بلغت الملايين وضعته في المراتب الأولى عالميًّا، وأن تلك مصيبة تتفاقم يومًا بعد آخر يرافقها بخطٍ موازٍ مصيبة أخرى اسمها (الأرامل)، وهن النساء اللاتي فقدن أزواجهن فأعدادهن في تزايدٍ أيضًا.
ويقولون إن ما يجري في العراق لا تظهر نتائجه الاجتماعية سريعًا، لكن تداعياته مستقبلاً تضع المجتمع العراقي أمام تحدياتٍ لا حصرَ لها، في مقدمتها أنه سيجد نفسه أمام انهيار غير مسبوق في المنظومة القيمية والأخلاقية، وهو الذي عرف عنه أنه أكثر المجتمعات العربية والشرقية التزامًا ومحافظة.
وعن الرعاية التي يمكن أن تقدمها الحكومة العراقية لشريحة الأرامل في العراق "أكدت د. إزهار الشيخلي الوزيرة السابقة لشئون المرأة استحالة تقديم رقم تقريبي لعدد الأرامل في العراق، ولكنها أكدت محدودية قدرة الحكومة العراقية على استيعاب هذه الشريحة بسبب التزايد في عدد الأرامل نتيجة الوضع الأمني المتأزم في العراق.
معاناة الحوامل
وكمثالٍ آخر على معاناة المرأة، ترصد مراكز اجتماعية مآسٍ عن المشكلات التي تواجه المرأة الحامل التي لا تحظى بنصيبها من الرعاية اللازمة؛ مما يتسبب في فقدان كثيرٍ من النساء الحوامل لحملهن، فضلاً عن تأثير العنف المتزايد والصدمات التي تتعرض لها أثناء فترة الحمل على فقدها للحمل.
وفي هذا السياق تقول كلارا جلال- مديرة مكتب اليونيسيف في بغداد-: إن الولادة حالة طارئة يمكن أن تحصل في أي وقت، ولكن ظروف العنف، وحظر التجول، وغلق الشوارع تمنع تقديم المساعدة في الليل للحامل، علاوةً على قلة الممرضات المتخصصات في هذا المجال، مؤكدةً أنه "كان لدينا سابقًا عشر ممرضات يمكن أن يوفرن خدماتٍ منزليةٍ لحالات الولادة في بغداد، لكن حاليًا لدينا واحدة فقط وتُفكِّر في إنهاء عملها بسبب العنف".
وتذكر منظمة اليونيسيف أن عدد وفيات الأمهات أثناء الولادة في العراق تتصاعد بشكلٍ كبير؛ حيث كان عدد الوفيات 117 لكل 100 ألف عام 1989م وازداد هذا الرقم حاليًا بنسبة 65%!
أيضًا تشير البيانات التي جمعت من قبل "منظمة حماية الطفل"، أن معدل وفيات الأطفال دون الخامسة في العراق بلغ 50 طفلاً لكل ألف ولادة حية عام 1989م، ثم تصاعد هذا المعدل إلى 125 طفلاً عام 2005م، وتؤكد أن سرعة زيادة المعدل هنا هي الأعلى في العالم، أما في السنتين الأخيرتين فالعدد في تزايد أكبر.
وحسب اليونيسيف ولد أكثر من مليون طفل في العراق خلال الـ12 عشر شهرًا الماضية، منهم 400 ألف في المخيمات ضمن العائلات المشردة يعيشون في ظروف صحية وغذائية بائسة، وأن المعاناة لا تتوقف عند موت الأمهات أثناء الولادة أو نتيجة العنف الدائر في العراق، ولكنها تستمر حينما يفقد الطفل أباه أيضًا فيكون يتيم الأبوين أو فاقدًا أحدهما.
5 ملايين طفل يتيم
آلاف الأطفال العراقيين في مخيمات اللاجئين

وقد كشفت إحصائيات نشرتها دراسة متخصصة لمنظمة اليونيسيف التابعة للأمم المتحدة في بغداد عن أن عدد الأطفال الأيتام في العراق يُقدَّر ما بين 4 و5 ملايين طفل، وأنهم في تزايدٍ نتيجة الأعمال المسلحة والوضع الأمني غير المستقر.
وقالت الدراسة أيضًا: إن عددًا قليلاً جدًّا من الأيتام يحظون بخدماتٍ من الدولة في دور أعدت لهم، لكنَّ الكثيرين منهم لا تتوافر لهم مثل هذه الفرص؛ مما يعني أن مصيرهم سيكون مجهولاً، فيما أكدت الدراسة أيضًا أن أرقام الأيتام تضاعفت في العراق بعد الاحتلال على نحو خيالي، وبعد أن كانت أعداد الأيتام في حقبة التسعينيات تشير إلى مليون ومائة ألف يتيم تجاوزت اليوم الـ5 ملايين، والرقم في تزايدٍ مستمر!
وتحاول الكثير من المنظمات الإنسانية الدولية والإسلامية والعربية تقديم المساعدات لهؤلاء الأيتام محاولة إيجاد الكفلاء لهم، ولكن الميزانيات التي خصصت لهذا الغرض لا تكفي العدد المتزايد من الأطفال الأيتام الذين يزيدون كل يوم، كما أن مبلغ الكفالة لأغلب تلك المؤسسات لا يتجاوز العشرين دولاراً شهريًّا، وهذا ليس لكل طفل يتيم، حيث تكفَّل أغلب تلك المؤسسات طفلاً يتيمًا واحدًا من كل عائلة، والعائلة فيها أكثر من طفل يتيم.
وقد تأسست في بغداد أكثر من منظمة تعني بأمور الأرامل والأيتام كـ"رابطة الأم العراقية" و"الرابطة الإسلامية لنساء العراق"، و"هيئة الأنصار لرعاية الأيتام والتكافل الاجتماعي"، و"منظمة الحياة للإغاثة الإنسانية فرع كندا"، و"فرع الولايات المتحدة الأمريكية"، و"الإغاثة الإنسانية" و"منظمة الإغاثة الإسلامية العالمية"، والكثير من المنظمات الإنسانية والخيرية الأخرى.
ما يزيد هذه المشكلات الاجتماعية سوءًا هو التضخم المتزايد في الاقتصاد العراقي الذي يوجد بدوره ضغوطًا مستمرةً ومتزايدةً على الأسرة هناك، ما يزيد من أعداد الفقراء ويزيد من الحرمان، ومن ثَمَّ زيادة أعداد أطفال الشوارع.
سياسة التهجير
وهناك مشكلات اجتماعية أخرى تظهر نتيجة الهجرات والتنقلات للأسر العراقية نتيجة الحرب أو سياسيات التهجير الطائفية التي تتبعها بعض الميليشيات، أبرزها مشكلة الأشخاص المشردين داخل وطنهم الذين يعيشون في المباني المهجورة، إذ انتشرت ظاهرة النزوح من العاصمة بغداد والمدن الأخرى، ويُقدَّر عدد المشردين بأكثر من ربع سكان العراق موزعين بين داخل العراق وخارجه.
ليست أهوال الحرب وما أعقبها من عنف طائفي في العراق قاصرة على الخسائر المادية فقط، ولكنها تعدت ذلك لخسائر اجتماعية باهظة يصعب تعويضها أو تلافي نتائجها التدميرية على الأسر والمجتمع العراقي في سنوات قليلة، ولا يدفع ثمن هذا سوى المواطن العراقي البسيط والنساء والأطفال، أما المجرمون الحقيقيون فلا أحد يطاردهم!
--------
* نُشر بالاتفاق مع المجتمع

