في العشرين من الشهر الجاري تدخل الأردن في اختبارٍ صعب، يتحدد على أساسه مدى القرب أو البعد عن النهج الديمقراطي، الذي اعتمدته منذ ثمانينيات القرن الماضي ثم عادت وعدلت عنه مؤقتًا، تحت وقع الضغوط الإقليمية والدولية، التي دفعتها لسنِّ بعض القوانين الخاصة بإقصاء الإسلاميين، الذين يشكلون تهديدًا كبيرًا للوجود الأمريكي والصهيوني في المنطقة، والذي وصل لدرجة اعتقاد البعض بأنه لا رجعةَ للإسلاميين مرةً ثانيةً في الأردن، إلا أن الملك عبدالله- وفي محاولةٍ منه لتحقيق التوازن بين الداخل والخارج- قد عاد وقبل بمشاركة الإسلاميين، على أساس أن وجودهم يُثري التجربة الديمقراطية، ويقي البلاد فتنًا كثيرةً، أقلها تهديد الأمن والاستقرار الأردني الداخلي.
فهل تنجح الانتخابات القادمة في تعميق الممارسة الديمقراطية، أم ستكون كسابقتها مجرَّد شكلٍ بلا مضمون يعكس الرغبة في التطوير السياسي والاقتصادي في البلاد؟.
مسيرة قانونية طويلة
مرَّ قانون الانتخابات الأردني بمراحل عديدة، فرضت بعضها الظروف، والبعض الآخر جاء بإيعازٍ من النظام السياسي الذي رغب في فترةٍ سابقةٍ في تضييق الخناق على الحركة الإسلامية، أكبر وأهم داعمٍ للوجود الفلسطيني في الأردن، وفي فلسطين على حدٍّ سواء، بدايةً من قانون الانتخاب الصادر عام 1986م، والذي مثَّل محطة مهمة في العلاقات الفلسطينية الأردنية؛ حيث خصص تسعة مقاعد للمخيمات الفلسطينية في الأردن، مرورًا بالقانون المؤقت رقم 23 لسنة 1989م، الذي رفع عدد مقاعد المجلس النيابي إلى (80) مقعدًا، والذي ترتب عليه إلغاء ليس فقط تمثيل الضفة الغربية في البرلمان الأردني الذي تعود بداياته إلى ربيع العام 1950م، وإنما إعادة دمج المخيمات الفلسطينية على الصعيد الانتخابي في محيطها الجغرافي.
![]() |
|
الآلاف أعلنوا تأييدهم لمرشحي الحركة الإسلامية |
وقبيل انتخابات 1993م تعرض القانون السابق لتعديلٍ خطيرٍ في ما عُرِفَ بقانون الصوت الواحد (رقم 15 لسنة 1993م)، والذي استبدل من نظام القائمة المفتوحة الذي يبيح للمواطن انتخاب عددٍ من المرشحين يساوي عدد المقاعد النيابية المخصصة لدائرته، بنظامٍ جديدٍ يقيد المواطن بانتخاب مرشح واحد فقط مهما كان عدد المقاعد في دائرته الذي يتراوح بين مقعدين إلى تسعة مقاعد.
وقد استهدف هذا التعديل الحد من نفوذ القوى السياسية المنظمة، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، بالإضافةِ إلى ضمان وصول أحزاب وأفراد مؤيدين للملك؛ ولأن العشائر الأردنية من أكبر مؤيدي الملك، فقد مثَّل ذلك القانون فرصةً ذهبيةً لتلك العشائر من أجل إيصال أفرادٍ منها للمجلس التشريعي الأردني، مثلما هو حادث الآن؛ ولذلك نلحظ وجود انتقادات واسعة للقانون واعتباره بمثابة انتكاسة للعملية الديمقراطية بسبب تشجيعه للولاءات العشائرية والطائفية، على حساب الخيارات السياسية.
إلا أنه وبسبب كثافة الضغوط المُوجَّهة ضد القانون طالب الملك عبدالله من الحكومة إعداد قانون انتخابٍ جديدٍ يُسهم في تنمية الحياة السياسية والديمقراطية.
وبالفعل تمَّ إعداد قانون جديد اشتمل على تطويراتٍ مهمةٍ تمثلت في زيادة الضوابط اللازمة لنزاهة الانتخاب وتبسيط إجراءاتها وتحسين التمثيل، إلا أنه حافظ على عناصر الاختلال الرئيسية في القانون القديم، ولا سيما نظام الصوت الواحد، وتوزيع المقاعد النيابية؛ وهما ما عُنيا بصورةٍ أو بأخرى استمرار ميل الحكومة الأردنية بالانحياز في توزيع المقاعد النيابية لصالح المناطق التي تتوافر فيها فرص أكبر لانتخاب نواب محافظين يشكلون ركيزةً أساسيةً لعلاقة هذه الحكومات مع المجالس النيابية.
خريطة سياسية متنوعة
ونظرًا للخلل الواضح في الخريطة السياسية الأردنية لصالح الحكومة والملك لم تملك الأحزاب المعارضة، خاصةً القومية ممثلةً في حزب البعث العربي الاشتراكي الأردني، وحزب البعث العربي التقدمي، والحزب العربي الديمقراطي الأردني، وجبهة العمل القومي، وكذلك الأحزاب الدينية ممثلةً في: جبهة العمل الإسلامي، والحركة العربية الإسلامية (دعاء)، القدرة على تغيير القوانين السابقة، وإن كان لها مواقف واضحة مثلما فعلت في انتخابات 1997م.
قيادات الإخوان بالأردن في أحد مهرجانات المرشحين
حيث دفع قانون الصوت الواحد جماعة الإخوان المسلمين وحزب جبهة العمل الإسلامي- أكبر الأحزاب السياسية الأردنية وأكثرها تأثيرًا ونفوذًا- وغيرها من الأحزاب السياسية الأردنية المعارضة لمقاطعة انتخابات عام 1997م بعد رفض الحكومة تلبية مطالبها للمشاركة في الانتخابات، والتي يأتي في مقدمتها إلغاء قانون الصوت الواحد.

إلا أنه في انتخابات 2003م وعلى الرغم من استمرار العمل بآلية الصوت الواحد المثيرة للجدل، فإن أيًّا من الأحزاب الأردنية لم يعلن مقاطعته للانتخابات من منطلق أن المشاركة أكثر جدوى من المقاطعة، خاصةً أن من شأن استمرار الضغوط الخارجية على النظام الأردني أن تزيد من عزلة التيارات السياسية المؤثرة في الداخل الأردني، وفي القلب منها حزب جبهة العمل الإسلامي.
فضلاً عن أنه كان من الواضح أن الإصرار الحكومي على قانون الصوت الواحد وعدم تغييره- كما طالب الإسلاميون وقوى وطنية أخرى- يستهدف تقوية الصوت الفردي، وبالتالي العشائر والعائلات المعروف عن أغلبها تقليديًّا مساندتها للحكم الملكي وأنها سنده وساعده، ومن ثَمَّ لم يكن أمام تلك القوى سوى الاستفادة من التعديلات قدر المستطاع بدلاً من مقاطعة الانتخابات، مثلما فعل حزب جبهة العمل الإسلامي عندما عمد إلى اختيار مرشحيه لانتخابات عام 2003م من أعضائه ذوي الانتماءات العشائرية، ونجاحه في حصد 27 مقعدًا من مقاعد البرلمان الماضي.
رقابة الانتخابات
كما أنه وبالرغم من تحفظ الأحزاب الأردنية المعارضة على استمرار العمل بقانون الصوت الواحد، باعتبار أنه يضر بالتجربة الديمقراطية الأردنية، إلا أنها تنظر للانتخابات النيابية المقبلة نظرةً مختلفةً عمَّا سبقها من انتخابات؛ حيث تعتبرها بمثابة "الفرصة الأخيرة" للإصلاحات الديمقراطية؛ ولذلك فهي تُعرب عن تخوفها من حدوث عمليات تزوير واسعة، عن طريق إشراك العسكريين في هذه الانتخابات، على غرار ما حدث في الانتخابات البلدية التي جرت في يوليو الماضي، بعد إرسال عشرات الآلاف من أفراد الجيش للتصويت.
وقد برزت هذه المخاوف بشكلٍ واضحٍ بعد أن رفضت الحكومة الأردنية وجودَ أي نوعٍ من الرقابة الدولية على الانتخابات، مبررةً ذلك على لسان رئيس الوزراء (معروف البخيت) باعتبار أن دعوتهم تعني "تشكيكًا مسبقًا" بنزاهة العملية الانتخابية.
فضلاً عن أن الرقابة الحقيقية- حسب تصريحات الوزير- على سير العملية الانتخابية تتم من خلال المرشحين أو مندوبيهم في مراكز الاقتراع ولجان الفرز، أو من خلال الطعن والاعتراض عبر الوسائل القانونية المعروفة، بالإضافةِ إلى دور الرصد والمتابعة المتاح للسفارات والهيئات الأجنبية ووسائل الإعلام.
![]() |
|
ملصقات الدعاية للانتخابات تملأ الشوارع |
إلا أن ذلك قُوبل بالرفض من حزب جبهة العمل الإسلامي وبقية الأحزاب المعارضة، وكان المركز الوطني لحقوق الإنسان، إضافةً إلى تحالف من 11 مؤسسة مجتمع مدني محلية، قد طالبوا الحكومة رسميًّا بالسماح لهم بالرقابة على الانتخابات، لضمان نزاهتها ومنع تكرار التجاوزات الواسعة التي شهدتها الانتخابات البلدية الأخيرة.
إلا أنه وبسبب الموقف الحكومي المتعنت تم الإعلان عن عدم المشاركة في مراقبة الانتخابات القادمة، كونها "شكلية لا فائدة منها"؛ حيث صرَّح هاني الدحلة رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان في الأردن- إحدى منظمات التحالف الأردني لمنظمات المجتمع المدني- لوكالة "فرانس برس" بأنهم قرروا الانسحاب من الرقابة؛ لأن الحكومة أبلغتهم بمنع منظمات المجتمع المدني من دخول قاعات الاقتراع والفرز.
وفي الواقع يعكس الموقف الحكومي من مسألة الرقابة تخوفًا واضحًا من حدوث أية انتهاكاتٍ لسير العملية الانتخابية، الأمر الذي قد يضر بصورةِ النظام أمام المجتمع الدولي، خاصةً أن هناك ضغوطًا متزايدةً من الكونجرس الأمريكي ومنظمات حقوق الإنسان العالمية على الإدارة الأمريكية والدول الغربية، من أجل دعم المسار الديمقراطي في الشرق الأوسط، وفي نفس الوقت يخشى النظام من وصول أعدادٍ كبيرةٍ من الإسلاميين إلى مجلس النواب على غرار ما حدث في فلسطين وفي مصر، مما قد يضر بالعلاقات الأردنية الإسرائيلية، بل وقد يضر بصلاحيات النظام الملكي الذي يحرص على امتلاك جميع أوراق اللعب في يده.
شعارات انتخابية
وفي مقابل ذلك الوضع غير المبشر، يشهد الشارع الأردني حِراكًا مكثفًا من جانب المرشحين المستقلين في الانتخابات المقبلة، من أجل لفت أنظار الناخبين، وحثهم على التصويت لهم في الانتخابات القادمة؛ وذلك بعد أن ازدحمت الشوارع الأردنية باللافتات الانتخابية التي تتخللها شعارات مثيرة للجدل مثل: "شعارنا الصدق ولن أحيد عن قول الحق"، و"آزروا مرشحكم"، و"خير مَن استاجرت القوي الأمين"، إلى غير ذلك من الشعارات البرَّاقة التي تجذب الجماهير وتلفت انتباههم.
![]() |
|
الإسلام هو الحل شعار مرشحي الإخوان بالأردن |
وبالإضافةِ إلى معركة الإعلانات المتصاعدة بين المرشحين، تشهد بعض الدوائر الانتخابية في عمان وأربد نوعًا غريبًا من التنافس بين المرشحين؛ حيث يقوم "السماسرة" بتقديم عروضٍ مغريةٍ لأعضاء من لجان مؤازرة مرشحين للانتقال للعمل مع مرشحين منافسين، بالإضافة إلى عمليات شراء الأصوات المتبعة في العديد من الدول العربية، وتعتبر الأردن من أكثر تلك الدول معاناةً منها، خاصةً بعد أن وصل الصوت العماني إلى ما يقرب من 15 دولارًا، إلى غير ذلك من العمليات اللاأخلاقية التي من شأنها الإضرار بالتجربة الديمقراطية العمانية.
وفي العموم تمثل الانتخابات الأردنية سواء بالنسبة للملك عبدالله أو بالنسبة للأحزاب الحكومية والمعارضة فرصةً لتطوير الأداء الديمقراطي، والوقوف بقوةٍ أمام التحديات الإقليمية والدولية، خاصةً أن الانتخابات تأتي في ظل أوضاعٍ داخليةٍ وخارجيةٍ متأزمة، سواء بسبب الخلافات بين الإسلاميين والملك عبد الله، أو بسبب المساعي الإقليمية والدولية لضرب إيران والتضييق على الحركات الإسلامية عمومًا في المنطقة العربية؛ حيث تسعى الولايات المتحدة ومعها الكيان الصهيوني في الوقت الحالي للضغط على الحركات الإسلامية في الأراضي الفلسطينية في المنطقة وتفويت الفرصة عليها، حتى ولو كان ذلك على حساب الديمقراطية الداخلية.
هذا، بالإضافةِ إلى رغبتهما في السيطرة والهيمنة على دول المنطقة؛ الأمر الذي يحتم على الجميع حكومةً ومعارضةً العمل معًا من أجل تفويت الفرصة على المتربصين بمسيرة الديمقراطية الأردنية والعمل معًا على إنجاح التجربة مهما كانت التحديات التي تقف في طريق مسيرتها.


