عيسى الحمر
في أوقات الأزمات، لا تكون التحديات خارج البيوت فقط، بل تتسلل إلى داخلها بهدوء، وتستقر في تفاصيل الحياة اليومية، خاصة في نفوس الآباء والأمهات.
القلق على الأبناء، والخوف على مستقبلهم، والتفكير المستمر في تأمين الأمان والصحة، كلها مشاعر مشروعة، لكنها -إن لم تُدار بحكمة- قد تنعكس على الأطفال بطرق غير مباشرة، فالطفل لا يسمع ما نقول فقط، بل يشعر بما نُخفيه.
الأزمات كما يراها الأبناء
حين تتصاعد الأحداث، قد يلتقط الطفل مشهدًا عابرًا من نشرة إخبارية، أو يسمع حديثًا مقتطعًا، فيبني عليه تصورًا أكبر من الواقع، أحد الأطفال، مثلًا، قد يستيقظ ليلًا خائفًا لأنه سمع كلمة «حرب»، دون أن يفهم معناها، لكنه استشعر القلق في نبرة الكبار.
وفي المقابل، هناك أسر نجحت في احتواء هذا الخوف، لا عبر إنكار الواقع، بل من خلال الهدوء، وتبسيط المعلومة، وإشعار الطفل بأن الأمور تحت السيطرة، فالأزمات لا تُقاس فقط بما يحدث، بل بكيفية تفسير الأبناء لها.
القدوة.. الرسالة الأقوى
في التربية، ما نفعله أبلغ مما نقوله؛ فحين يرى الطفل والده منشغلًا، لكنه يترك كل شيء عند وقت الصلاة، يدرك أن هناك أولويات لا تُؤجل، وحين يرى والدته تلجأ إلى الدعاء بهدوء وثقة، يتعلم أن الطمأنينة تُصنع من الداخل.
التجارب تثبت أن الأطفال يكتسبون سلوكهم من الملاحظة أكثر من التوجيه، لذلك فإن أول خطوة لطمأنتهم، أن نكون نحن مطمئنين.
كيف نبني الطمأنينة عمليًا؟
ليست الطمأنينة كلمات تُقال، بل بيئة تُصنع، ومن أهم ملامحها:
1- تعزيز العلاقة بالله: حين يرى الطفل الدعاء، والذكر، والصلاة في أوقات القلق، يتعلم أن هناك ملجأ ثابتًا لا يتغير، فالإيمان هنا لا يُلقّن، بل يُعاش.
2- التهيئة المسبقة: الحديث مع الأبناء في أوقات الهدوء عن التحديات، من خلال قصص واقعية أو مواقف تاريخية، يساعدهم على الفهم دون صدمة، ويمنحهم أدوات نفسية للتعامل.
3- التوازن في الاستعداد: بعض الأسر حين تستعد للأزمات تبالغ في التخزين أو القلق؛ ما ينعكس على الأبناء بالخوف، بينما التوازن في الإعداد، مع مراعاة الآخرين، يعلّم الطفل المسؤولية دون هلع.
4- الحفاظ على الروتين اليومي: مشاهدة برنامج عائلي، أو الحديث عن تفاصيل اليوم، أو حتى الخروج إن أمكن، كلها رسائل غير مباشرة بأن الحياة مستمرة، وأن الأمور تحت السيطرة.
5- إدارة ما يشاهده الأبناء: ليس كل ما يُعرض مناسبًا للأطفال، وبعض المقاطع أو الأخبار قد تزرع الخوف في نفوسهم، الحماية هنا لا تعني العزل التام، بل التوجيه والاختيار.
6- الحوار وتصحيح المفاهيم: حين يعبّر الطفل عن خوفه، فهو لا يحتاج إلى إنكار مشاعره، بل إلى من يفهمها ويعيد صياغتها له، ويربطها بمعاني الإيمان والثقة بالله.
حين يظهر الخوف.. ماذا نفعل؟
قد تظهر على بعض الأطفال ردود فعل مثل القلق، أو صعوبة النوم، أو التعلق الزائد بالوالدين، في هذه الحالات، يكون الاحتواء هو الأساس:
- فهم مصدر الخوف والتعامل معه بهدوء.
- إظهار الطمأنينة أمامهم.
- عدم التقليل من مشاعرهم.
- إشغالهم بأنشطة مفيدة.
- اللجوء إلى مختص عند الحاجة.
فالطفل لا يحتاج إلى بيئة خالية من القلق، بل إلى من يعلمه كيف يواجهه.
الطمأنينة تبدأ من الداخل
في زمن الأزمات، قد لا نملك تغيير كل الظروف، لكننا نملك أن نصنع داخل بيوتنا مساحة من الأمان.
حين نُحسن التوكل على الله، ونُحسن إدارة مشاعرنا، ونكون قدوة حية لأبنائنا، فإننا لا نحميهم من الخوف فقط، بل نمنحهم مهارة الحياة في مواجهته؛ قال الله تعالى: (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (التوبة: 51).
فبهذا اليقين، تُبنى الطمأنينة، ويكبر الأبناء وهم أكثر ثباتًا ووعيًا، مهما اشتدت الظروف.
المصدر: المجتمع